Loading...
  1. #1

    Join Date
    Aug 2011
    Location
    Lahore, Pakistan
    Posts
    4,334
    Blog Entries
    9

    مصارف الزكاة

    مصارف الزكاة
    السر الخفى .. فى اتصال آية المصارف باللام وفى
    لماذا عبر القرآن عن بعض المصارف بـ "اللام" وبعضها بـ "في"؟
    اشتملت آية مصارف الصدقات على أصناف ثمانية، وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم- وهم الأصناف الذين تعطى لهم الزكاة- وبقى من أصناف المستحقين أربعة:
    في الرقاب وهو المصرف الخامس من الثمانية.
    والغارمين وهو المصرف السادس من الثمانية.
    وفى سبيل الله وهو المصرف السابع من الثمانية.
    وابن السبيل وهو المصرف الثامن والأخير.
    وقد غايرت الآيات التي حصرت مصارف الزكاة في الأصناف الثمانية بين المصارف الأربعة الأولى والأربعة الأخيرة.. فالأولون جعلت الصدقات لهم: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم) (التوبة: 60).
    والآخرون جعلت الصدقات فيهم: (وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل) (التوبة: 60). فما السر في هذه المغايرة؟ ولماذا عبر عن استحقاق الأولين للصدقة بـ "اللام" التي هي في الأصل للتمليك، وعبر عن استحقاق هؤلاء لها بحرف "في" التي هي للظرفية؟.
    إن القرآن لا يضع حرفًا بدل حرف اعتباطًا، ولا يغاير بين التعبيرات جزافًا، بل لحكمة ينبه عليها بكلامه المعجز. وما يعقلها إلا العالمون. فما هذه الحكمة؟.
    لقد أجاب الزمخشري عن ذلك بأن العدول عن "اللام" إلى "في" في الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الزكاة من الأربعة الأولى؛ لأن "في" للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصبًا (الكشاف: 2/45، 46- طبع مصطفى الحلبي 1367 هـ).
    وعقب ابن المنير في "الانتصاف" على كلام الزمخشري بالتنبيه على نكتة أدق وأعمق: قال: "وثم سر آخر هو أظهر وأقرب. وذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم، وإنما يأخذونه ملكًا، فكان دخول اللام لائقًا بهم. وأما الأربعة الأواخر، فلا يملكون ما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن في مصالح تتعلق بهم. فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون والبائعون، فليس نصيبهم مصروفًا إلى أيديهم، حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم.. وإنما هم محال لهذا الصرف والمصلحة المتعلقة به.
    "وكذلك الغارمون، إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصًا لذممهم لا لهم، وأما سبيل الله فواضح فيه ذلك.
    "وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجًا في سبيل الله، وإنما أفرد بالذكر تنبيهًا على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعًا. وعطفه على المجرور باللام ممكن، ولكنه على القريب منه أقرب والله أعلم" (الانتصاف من الكشاف، وهو على هامش المصدر السابق).
    وأقول: إن ما يصرف لابن السبيل ليس تمليكًا له. وإنما هو مصروف في مصلحته المتعلقة بسفره إلى بلده، وما يحتاجه إلى بلوغ غرضه، ولهذا يمكن صرفه إلى جهة النقل التي ستوصله إلى وطنه كشركة الملاحة، أو الطيران أو السكة الحديدية مثلا.
    وكذلك ذكر الفخر الرازي: أنه تعالى أثبت الصدقات للأصناف الأربعة الأوائل بلام التمليك وهو قوله: (إنما الصدقات للفقراء). ولما ذكر الرقاب أبدل حرف "اللام" بحرف "في" فقال: (وفى الرقاب). فلا بد لهذا الفرق من فائدة. وتلك الفائدة هي أن تلك الأصناف الأربعة المتقدمة يدفع إليهم نصيبهم من الصدقات. حتى يتصرفوا فيها كما شاءوا، وأما "في الرقاب" فيوضع نصيبهم في تخليص رقبتهم من الرق، ولا يدفع إليهم ولا يمكنون من التصرف في ذلك النصيب كيف شاءوا، بل يوضع في الرقاب بأن يؤدى عنهم.
    "وكذلك القول في الغارمين، يصرف المال في قضاء ديونهم، وفى الغزاة يصرف المال إلى ما يحتاجون إليه في الغزو. وابن السبيل كذلك.
    "والحاصل أن الأصناف الأربعة الأولى يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا فيه كما شاءوا. وفى الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا الزكاة" (التفسير الكبير للرازي: 16/112).
    وذكر نحو ذلك الخازن في تفسيره (نقله الجمل في حاشيته على الجلالين: 2/292).
    وتبعًا لهذه المغايرة في الآية بين الأصناف المستحقين قسم صاحب المنار (تفسير المنار: 10/586 - 590- الطبعة الثانية. وتبعه الشيخ شلتوت (الإسلام عقيدة وشريعة ص 111 - 113- طبع دار القلم).- المصارف إلى قسمين أو حلقتين: أشخاص ومصالح. فالأشخاص تشمل الأربعة الأولى مع الغارمين، وابن السبيل. والمصالح تشمل مصرفين: في الرقاب وفى سبيل الله وهما المصرفان اللذان دخلت عليهما "في" مباشرة. ولم يعتبر الغارمون وابن السبيل من جملة المصالح بالعطف على ما جاورها. بل جعلا الوصفين معطوفين على الأصناف الأولى المجرورة باللام، وذلك لاشتراك الأصناف الستة في أنهم أشخاص ذوو أوصاف، والفقراء أشخاص اتصفوا بالفقر، والغارمون أشخاص اتصفوا بالغرم... إلخ. ولكن قد يعكر على هذا أن عطف كل صنف على جاره القريب أولى من عطفه على البعيد. والأليق ببلاغة القرآن أن تكون الأصناف التي يعطى "لها" الزكاة متجاورة متعاظمة، والجهات التي تصرف "فيها" الزكاة متجاورة أيضًا، كما هو اختيار الزمخشري وابن المنير والرازي وغيرهم.
    وما يؤيد ما ذكره الرازي في الفرق بين الأربعة الأولى والأربعة الأخر، ما ذكره صاحب "المغنى" (الجزء الثاني ص 670). بقوله: أربعة أصناف يأخذون أخذًا مستقرًا ولا يراعى حالهم بعد الدفع وهم: الفقراء والمساكين والعاملون والمؤلفة، فمتى أخذوها ملكوها ملكًا دائمًا مستقرًا، لا يجب عليهم ردها بحال. وأربعة منهم -وهم الغارمون وفى الرقاب وفى سبيل الله وابن السبيل- فإنهم يأخذون أخذًا مراعى: فإن صرفوه في الجهة التي استحقوا الأخذ لأجلها- وإلا استرجع منهم.
    "والفرق بين هذه الأصناف والتي قبلها: أن هؤلاء أخذوا لمعنى لم يحصل بأخذهم الزكاة، والأولون حصل المقصود بأخذهم -وهو غنى الفقراء والمساكين، وتأليف المؤلفين وأداء أجر العاملين- وإن قضى هؤلاء (يعنى الأربعة الأخيرين) حاجتهم وفضل معهم فضل ردوا الفضل إلا الغازي، فإن ما فضل له بعد غزوه فهو له.." أ هـ.
    وهذا في غير الأشياء التي تبقى وتستمر زمنًا كالسلاح والخيل، فينبغي أن ترد بعد الغزو إلى بيت المال.
    والفرق الذي ذكره الشيخ ابن قدامة هنا صحيح، وكان عليه أن يؤيده بتفرقة القرآن بين الأربعة الأولى والأربعة الأخيرة بمغايرة التعبير بين أولئك وهؤلاء، كما نبه على ذلك من بعده شارح غاية المنتهى (مطالب أولى النهى: 2/151). من الحنابلة أيضًا.
    من كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوى
    مصارف الزكاة
    الفقراء والمساكين
    من هما الفقير والمسكين؟
    الفقير والمسكين عند الحنفية
    الفقير والمسكين عند الأئمة الثلاثة
    لا يعطى من سهم الفقراء والمساكين غني
    الغنى المانع من أخذ الزكاة
    مذهب الثوري وغيره
    مذهب الحنفية
    مذهب مالك والشافعي وأحمد
    الفقير القادر على الكسب
    شروط القدرة على الكسب التي تحرم أخذ الزكاة
    المتفرغ للعبادة لا يأخذ من الزكاة
    من هما الفقير والمسكين؟
    ذهب أبو يوسف صاحب أبى حنيفة، وابن القاسم من أصحاب مالك إلى أنهما صنف واحد. (انظر حاشية الدسوقي: 1/492، وشرح الأزهار: 1/509) وخالفهما الجمهور. وهما في الحقيقة صنفان لنوع واحد، وأعنى بهذا النوع أهل العوز والحاجة. إلا أن المفسرين والفقهاء اختلفوا في تحديد مفهوم كل من اللفظين على حدة، وتحديد المراد به حيث اجتمعا هنا في سياق واحد. والفقير والمسكين -مثل الإسلام والإيمان- من الألفاظ التي قال العلماء فيها: إذا اجتمعا افترقا (أي يكون لكل منهما معنى خاص) وإذا افترقا اجتمعا (أي إذا ذكر أحدهما منفردًا عن الآخر كان شاملا لمعنى اللفظ الآخر الذي يقرن به). وهما هنا - في آية: (إنما الصدقات ...) (التوبة: 60) قد اجتمعا، فما معنى الفقير والمسكين هنا؟.
    رجح شيخ المفسرين الطبري(تفسير الطبري: 14/308، 309- طبع دار المعارف): أن المراد بالفقير: المحتاج المتعفف الذي لا يسأل، والمسكين: المحتاج المتذلل الذي يسأل، وأيد ترجيحه بأن لفظ المسكنة ينبئ عن ذلك. كما قال تعالى في شأن اليهود: (وضربت عليهم الذلة والمسكنة) (البقرة: 61 ) ا. هـ.
    أما ما جاء في الحديث الصحيح: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي يتعفف) (سيأتي الحديث كاملا مخرجًا في هذا المبحث). فليس هذا تفسيرًا لغويًا لمعنى المسكين. فالمعنى اللغوي معروف لديهم، وإنما هو من باب "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (متفق عليه من حديث أبى هريرة (بلوغ المرام -باب الترهيب من مساوئ الأخلاق ص 302- طبع مصطفى محمد). ونحوه من مثل حديث: "أتدرون من المفلس"؟ وحديث: "ما تعدون الرتوب فيكم"؟ وانظر المغنى: 6/457- طبع الإمام).ولهذا قال الإمام الخطابي بحق: في الحديث دليل على أن المسكين - في الظاهر عندهم والمتعارف لديهم- هو السائل الطواف. وإنما نفى -صلى الله عليه وسلم- عنه اسم المسكين، لأنه بمسألته تأتيه الكفاية وقد تأتيه الزيادة عليها، فتزول حاجته، ويسقط عنه اسم المسكنة، وإنما تدوم الحاجة والمسكنة بمن لا يسأل، ولا يفطن له فيعطى" (معالم السنن: 2/232).
    كما اختلف الفقهاء أيضًا: أي الصنفين أسوأ حالا؟ الفقير أم المسكين؟ فعند الشافعية والحنابلة: الفقير أسوأ.
    وعند المالكية -وهو المشهور عند الحنفية- أن الأمر بالعكس، ولكل من الفريقين أدلة من اللغة والشرع.
    الفقير والمسكين عند الحنفية:
    والذي ينفع ذكره هنا: أن الفقير عند الحنفية هو من يملك شيئًا دون النصاب الشرعي في الزكاة. أو يملك ما قيمته نصاب أو أكثر من الأثاث والأمتعة والثياب والكتب ونحوها مما هو محتاج إليه لاستعماله والانتفاع به في حاجته الأصلية.
    والمسكين عندهم من لا يملك شيئًا. وهذا هو المشهور.وقد اختلف علماء الحنفية في تحديد المراد بالنصاب أهو نصاب النقد -مائتي درهم- أم النصاب المعروف من أي مال كان؟ (انظر مجمع الأنهر ودر المنتقى بهامشه ص 220، وأيضًا ص 223).
    فالمستحق للزكاة بوصف الفقر أو المسكنة عندهم هو:
    1- المعدم الذي لا ملك له وهو المسكين.
    2- الذي يملك من الدور والمتاع والأثاث ونحوه ما ينتفع به ولا يستغني عنه، مهما تبلغ قيمته.
    3- الذي يملك دون نصاب من النقود، أقل من مائتي درهم بتعبيرهم.
    4- الذي يملك دون النصاب من غير النقود كأربع من الإبل، أو تسع وثلاثين من الغنم، ونحو ذلك. بشرط ألا تبلغ قيمتها مائتي درهم.
    وهناك صورة اختلفوا فيها، وهى:
    من يملك نصابًا من غير النقود كخمس من الإبل، أو أربعين من الغنم، إذا كانت قيمتها لا تبلغ نصابًا نقديًا. فبعضهم قال: تحل له الزكاة، وتلزمه أيضًا الزكاة. وبعضهم قال: هو غنى تؤخذ منه الزكاة فلا تعطى له (المصدر السابق).
    وسنعود لإيضاح ذلك في بيان الغنى المانع من أخذ الزكاة.
    الفقير والمسكين عند الأئمة الثلاثة:
    وعند الأئمة الثلاثة: لا يدور الفقر والمسكنة على عدم ملك النصاب، بل على عدم ملك الكفاية.
    فالفقير: من ليس له مال ولا كسب حلال لائق به، يقع موقعًا من كفايته، من مطعم وملبس ومسكن وسائر ما لابد منه، لنفسه ولمن تلزمه نفقته، من غير إسراف ولا تقتير، كمن يحتاج إلى عشرة دراهم كل يوم ولا يجد إلا أربعة أو ثلاثة أو اثنين.
    والمسكين من قدر على مال أو كسب حلال لائق يقع موقعًا من كفايته وكفاية من يعوله. ولكن لا تم به الكفاية، كمن يحتاج إلى عشرة فيجد سبعة أو ثمانية، وإن ملك نصابًا أو نصبًا.
    وحدد بعضهم ما يقع موقعًا من كفايته بالنصف فما فوقه، فالمسكين هو الذي يملك نصف الكفاية فأكثر.
    والفقير هو الذي يملك ما دون النصف (انظر: نهاية المحتاج لشمس الدين الرملي: 6/151 - 153).
    والنتيجة من هذا التعريف: أن المستحق للزكاة باسم الفقر أو المسكنة هو أحد ثلاثة: أولاً- من لا مال له ولا كسب أصلاً.
    ثانيًا- من له مال أو كسب لا يقع موقعًا من كفايته وكفاية أسرته. أي لا يبلغ نصف الكفاية أي دون 50%.
    ثالثًا- من له مال أو كسب يسد 50% أو أكثر من كفايته وكفاية من يعولهم. ولكن لا يجد تمام الكفاية.
    والمراد بالكفاية للفقير أو المسكين كفاية السنة عند المالكية والحنابلة، وأما عند الشافعية فالمراد: كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلده، فإن كان العمر المعتاد لمثله ستين، وهو ابن ثلاثين. وكان عنده مال يكفيه لعشرين سنة فقط، كان من المستحقين للزكاة لحاجته إلى كفاية عشر سنين.
    قال شمس الدين الرملي: "لا يقال: يلزم على ذلك أخذ أكثر الأغنياء من الزكاة ! لأنا نقول: من معه مال يكفيه ربحه، أو عقار يكفيه دخله - غنى، والأغنياء غالبهم كذلك" (نهاية المحتاج: 6/151 - 153).
    ولا يخرج الفقير أو المسكين عن فقره ومسكنته أن يكون له مسكن لائق له، محتاج إليه، ولا يكلف بيعه لينفق منه. ومن له عقار ينقص دخله عن كفايته فهو فقير أو مسكين. نعم لو كان نفيسًا بحيث لو باعه استطاع أن يشترى به ما يكفيه دخله لزمه بيعه، فيما يظهر.
    ومثل المسكن(اختلف فقهاء الشافعية فيمن اعتاد السكن بالأجرة ومعه ثمن مسكن أو له مسكن: هل يخرج عن الفقر بما معه؟ أجاب في نهاية المحتاج بالإيجاب وخالفه غيره. (انظر حاشية الشيبرا ملسى على نهاية المحتاج: 6/150). ثيابه التي يملكها، ولو للتجمل بها في بعض أيام السنة، وإن تعددت ما دامت لائقة به أيضًا.
    وكذلك حلى المرأة اللائق بها، المحتاجة للتزين به عادة، لا يخرجها عن الفقر والمسكنة.
    وكتب العلم التي يحتاج إليها ولو نادرًا كمرة في السنة، سواء أكانت كتب علم شرعي كالفقه والتفسير والحديث، أو آلة له كاللغة والأدب، أو علم دنيوي نافع كالطب لمن كان من أهله، ونحو ذلك.
    ومثل كتب العلم لأهله، آلات الحرفة، وأدوات الصنعة، التي يحتاج إلى استعمالها في صنعته.
    كما لا يخرجه عن الفقر والمسكنة ماله الذي لا يقدر على الانتفاع به، كأن يكون في بلد بعيد، لا يتمكن من الحصول عليه. أو يكون حاضرًا ولكن حيل بينه وبينه، كالذي تحجزه الحكومات المستبدة أو تضعه تحت الحراسة وما شابه ذلك.
    ومثل ذلك ديونه المؤجلة، لأنه الآن معسر إلى أن يحل الأجل (انظر نهاية المحتاج: 6/150، 151).
    لا يعطى من سهم الفقراء والمساكين غني
    ولكي تتضح لنا نظرة الفقهاء إلى الفقر والمسكنة، وتكملة لمعرفة هذين الصنفين أو هذا الصنف من المستحقين للزكاة بوصف الفقر أو المسكنة، ينبغي أن نلقى بعض الضوء على المعنى المقابل، الذي يخرج هؤلاء عن دائرة الاستحقاق بهذا الوصف -الفقر أو المسكنة- وهذا المعنى المقابل هو "الغنى".
    فمن المتفق عليه بين الفقهاء: أنه لا يصرف في الزكاة من سهم الفقراء والمساكين إلى غنى، لأن الله تعالى جعلها للفقراء والمساكين، والغنى غير داخل فيهم. وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها (تؤخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم)، وقال: (لا تحل الصدقة لغنى) (رواه أبو داود والترمذي وحسنه). ولأن أخذ الغنى منها يمنع وصولها إلى أهلها، ويخل بحكمة وجوبها وهو إغناء الفقراء بها. كما قال ابن قدامة(المغنى المطبوع مع الشرح الكبير: 2/523).
    ولكن من هو الغنى في هذا المقام وما حد الغنى هنا؟.
    الغنى المانع من أخذ الزكاة
    اختلف الفقهاء في حد الغنى المانع من أخذ الزكاة ما هو؟.
    وإنما قلنا: الغنى المانع من أخذ الزكاة، لأن الغنى الموجب للزكاة قد اتفقوا على معناه في الجملة، وهو: ملك نصاب من الأموال النامية المعروفة بشروط خاصة. على حين اختلفوا في حد الغنى المانع(هناك غنى ثالث هو: الغنى الذي يمنع سؤال الغير، وهو دون الغنى المانع من أخذ الزكاة لتشديد الشرع في المسألة إلا لضرورة. وهم أيضًا قد اختلفوا فيه. ولعلنا نعرض له في مناسبة أخرى). على أقوال نذكرها فيما يلي:
    مذهب الثوري وغيره:
    فذهب سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق بن راهويه (معالم السنن: 2/226). إلى أن الغنى الذي يحرم معه أخذ الزكاة والصدقات هو ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب، أي نصف ربع نصاب من النقود.
    واستدلوا بحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خموش أو خدوش، أو كدوح (الخموش: هي الخدوش: يقال: خمشت المرأة وجهها، إذا خدشته بظفر أو حديدة أو نحوها، والكدوح: الآثار من الخدوش والعض ونحوه). في وجهه). فقيل: يا رسول الله، وما الغنى؟ قال: (خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب) (رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، وحسنه الترمذي، وضعفه غيره من الأئمة (انظر مختصر السنن للمنذري: 2/226، 227).
    وهذا المذهب رواية عن أحمد: فقد فرقت الرواية بين ملك النقود وملك غيرها: فمن ملك من غير النقود ما لا يقوم بكفايته فليس بغنى وإن كثرت قيمته. ومن ملك من النقود خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب فهو غنى، لأن النقود هي الآلة المباشرة للأنفاق المعدة له دون غيرها، ولحديث ابن مسعود المذكور.
    ولكن صيارفة الحديث ضعفوا حديث ابن مسعود هذا، وبينوا علة ضعفه(رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، وحسنه الترمذي، وضعفه غيره من الأئمة (انظر مختصر السنن للمنذري: 2/226، 227).
    وعلى التسليم بصحة الحديث فقد تأوله بعض العلماء بأنه -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك لقوم بأعيانهم كانوا يتجرون بالخمسين فتقوم بكفايتهم (انظر: الأنصاف من كتب الحنابلة: 2/221، 222).
    وحمله آخرون على أنه -عليه أفضل الصلاة والسلام- قاله في وقت كانت الكفاية الغالبة فيه بخمسين (المصدر السابق).
    وحمله غيرهم على المسألة، إذ هو وارد فيها، فمن ملك الخمسين حرمت عليه المسألة، ولكن لم يحرم عليه الأخذ (معالم السنن: 2/226). وهذا هو الأظهر.
    قال الخطابي: قالوا: وليس في الحديث أن من ملك خمسين درهمًا لم تحل له الصدقة، إنما فيه أنه كره له المسألة فقط، وذلك أن المسألة إنما تكون مع الضرورة، ولا ضرورة بمن يجد ما يكفيه في وقته إلى المسألة (معالم السنن: 2/226).
    مذهب الحنفية:
    ويرى الحنفية أن الغنى الذي يحرم به أخذ الصدقة وقبولها أحد أمرين:
    الأول: ملك نصاب زكوي من أي مال كان: كخمس من الإبل السائمة أو مائتي درهم أو عشرين دينارًا (قدرناها الآن بمبلغ 85 جرامًا من الذهب) لأن الشرع جعل الناس صنفين: غنيًا تؤخذ منه الزكاة، وفقيرًا ترد عليه، ولا يجوز أن يكون غنيًا فقيرًا في وقت واحد، كمن كان لديه نصاب تجب فيه الزكاة ولكن عنده كثرة من العيال يحتاجون إلى كثير من النفقات، لا يجوز أن يعطى ولا يحل له أن يأخذ من الزكاة.
    وقال بعض الحنفية: بل المعتبر هو نصاب النقود من أي مال كان، سواء أبلغ نصابًا من جنسه أم لم يبلغه.
    فمن ملك أربعين شاة -نصاب الغنم- لا تبلغ قيمتها نصابًا نقديًا (مائتي درهم) فهو فقير على هذا الرأي، فتجب عليه الزكاة، وتحل له الزكاة.
    واستدل بعضهم لهذا الرأي بحديث: (من سأل وله ما يغنيه فقد سأل الناس إلحافًا. قيل: وما الذي يغنيه؟ قال: مائتا درهم).
    والحديث ضعيف، ومع هذا فهو في الغنى المانع من السؤال. فهو لا يرد على مخالفي الحنفية الذين يجوزون أخذ الزكاة لمن عنده مائتا درهم لا تقوم بكفايته، لأن الغنى الذي يحرم السؤال لا يحرم الزكاة.
    وبين علماء الحنفية نقاش طويل في اعتماد أي الرأيين. فليراجع في كتبهم (انظر على سبيل المثال: الدر المختار وحاشيته رد المحتار: 2/88 - 86، طبع استانبول. وأيضًا: مجمع الأنهر ودر المنتقى بهامشه ص 223). الثاني: أن يملك من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حاجته، ويبلغ قيمة الفاضل مائتي درهم. كمن يقتنى من الثياب والفرش والأدوات والكتب والدور والحوانيت والدواب وغيرها، زيادة على ما يحتاج إليه، كل ذلك للابتذال والاستعمال لا للتجارة والإسامة، فإذا فضل من ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة. فمن كان له داران يستغني عن إحداهما، وهى إذا بيعت تساوى نصاب النقود فلا يجوز له أخذ الزكاة. وكذلك إذا كان عنده كتب ورثها مثلا أو أدوات حرفة، تساوى نصابًا، وليس هو في حاجة إليها، لأنه ليس من أهل العلم، ولا من أرباب تلك الحرفة.
    قال الكاساني في "البدائع": "ثم قدر الحاجة ما ذكره الكرخي في مختصره فقال: لا بأس بأن يعطى من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم، وفرس، وسلاح، وثياب البدن، وكتب العلم إن كان من أهله، فإن كان له فضل عن ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة. لما روى عن الحسن البصري أنه قال: "كانوا يعطون الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من الفرس والسلاح والخادم والدار".
    وقوله: "كانوا" كناية عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا لأن هذه الأشياء من الحوائج اللازمة التي لابد للإنسان منها فكان وجودها وعدمها سواء (بدائع الصنائع للكاساني: 2/48).
    وذكر في "الفتاوى" فيمن له حوانيت ودور للغلة لكن غلتها لا تكفيه وعياله: أنه فقير، ويحل له أخذ الصدقة عند محمد، وعند أبى يوسف: لا يحل. وكذا لو له كرم لا تكفيه غلته.
    ولو عنده طعام للقوت يساوى 200 (مائتي درهم)، فإن كان كفاية شهر يحل، أو كفاية سنة، قيل: لا يحل، وقيل: يحل، لأنه مستحق الصرف إلى الكفاية، فيلحق بالعدم، وقد ادخر عليه الصلاة والسلام لنسائه قوت سنة.
    ولو له كسوة الشتاء وهو لا يحتاج إليها في الصيف يحل.
    مذهب مالك والشافعي وأحمد:
    المذهب الأخير: أن الغنى هو ما تحصل به الكفاية، فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه الصدقة، وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له الصدقة وإن ملك نصابًا بل نصبًا، والأثمان وغيرها في هذا سواء. وهو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في الرواية الراجحة عنه. قال الخطابي: قال مالك والشافعي: لا حد للغنى معلوم، وإنما يعتبر حال الإنسان بوسعه وطاقته فإذا اكتفى بما عنده حرمت عليه الصدقة، وإذا احتاج حلت له (معالم السنن: 2/227). قال الشافعي: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًا، مع كسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله (رواه مسلم وأبو داود والنسائي -انظر الحديث (1575) جـ2 مختصر المنذري لسنن أبى داود وسيأتي الحديث كاملاً في فصل "الغارمون").
    وهذا المذهب هو الذي تعضده الشريعة بنصوصها وروحها. كما تؤيده اللغة واستعمالاتها. ومما يدل لهذا المذهب:
    ( أ ) ما جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لقبيصة بن المخارق الذي جاء يسأله في حمالة تحملها: (لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل أصابته فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش) . الحديث (رواه مسلم وأبو داود والنسائي -انظر الحديث (1575) جـ2 مختصر المنذري لسنن أبى داود وسيأتي الحديث كاملاً في فصل "الغارمون")، فقد أباح له المسألة حتى يجد القوام أو السداد من العيش.
    ( ب ) أن الحاجة هي الفقر، والغنى ضدها، فمن كان محتاجًا فهو فقير يدخل في عموم النص، ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة. والدليل على أن الفقر هو الحاجة، قول الله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) (فاطر: 15). -أي المحتاجون إليه، وقول الشاعر: "وإني إلى معروفها لفقير"- أي لمحتاج.
    وبناء على ذلك يتفرع أمران:
    أولاً: أن من كان له مال يكفيه -سواء أكان ذلك من مال زكوي أو غير زكوي، أو من كسبه وعمله أو من أجرة عقارات أو غير ذلك- فليس له الأخذ من الزكاة. ويعتبر وجود الكفاية له ولعائلته ومن يعوله، لأن كل واحد منهم مقصود دفع حاجته، فيعتبر له ما يعتبر للمنفرد. وجمهور العمال والموظفين من هذا الصنف الذي يعد غنيًا بكسبه المتجدد، لا بماله وثروته المدخرة. فلو كان من لا يملك نصابًا فقيرًا، لكان كل هؤلاء يستحقون الزكاة. وهذا غير مقبول.
    ثانيًا: أن من ملك من أموال الزكاة نصابًا -أو أكثر- لا تتم به كفايته لنفسه ومن يعوله، فله الأخذ من الزكاة، لأنه ليس بغنى.
    فمن له عروض تجارة قيمتها ألف دينار، أو أكثر، ولكن لا يحصل له من ربحها قدر كفايته -لكساد السوق، أو كثرة العيال أو نحوها- يجوز له الأخذ من الزكاة.
    ومن كان له مواش تبلغ نصابًا، أو له زرع يبلغ خمسة أوسق، لا يقوم ذلك بجميع كفايته، يجوز له الأخذ من الزكاة ولا يمنع ذلك وجوبها عليه، لأن الغنى الموجب للزكاة هو ملك النصاب بشروط. أما الغنى المانع من أخذها فهو ما تحصل به الكفاية ولا تلازم بينهما (انظر شرح غاية المنتهى: 2/135).
    قال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) فقلت: قد تكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة (المزرعة) لا تكفيه. أفيعطى من الزكاة؟ قال: نعم ... وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا (المغنى: 2/664).
    وقال أحمد -في رواية محمد بن الحكم- إذا كان له عقار، أو ضيعة يستغلها -عشرة آلاف أو أكثر ولا تكفيه- يأخذ من الزكاة (شرح الغاية: 2/135).
    وقيل له: يكون للرجل الزرع القائم وليس عنده ما يحصده، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم (المصدر السابق).
    قال في شرح الغاية: "من له كتب يحتاجها للحفظ والمطالعة، أو لها حلى للبس، أو لكراء تحتاج إليه، فلا يمنعها ذلك من أخذ الزكاة (شرح الغاية: 2/135).
    الفقير القادر على الكسب
    وإذا كان مدار الاستحقاق هو الحاجة -حاجة الفرد إلى كفاية نفسه ومن يعوله- فهل يعطى المحتاج وإن كان متبطلاً يعيش عالة على المجتمع، ويحيا على الصدقات والإعانات، وهو مع ذلك قوى البنيان، قادر على الكسب وإغناء نفسه بكسبه وعمله؟!.
    إن الذي أرجحه في ذلك هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة حيث قالوا: لا يجوز صرف الزكاة إلى غنى من سهم الفقراء والمساكين، ولا إلى قادر على كسب يليق به، يحصل له منه كفايته، وكفاية عياله (المجموع: 6/228).
    وهذا المذهب هو الذي تعضده نصوص الشرع وقواعده. حتى ذهب بعض الحنفية -وهم يجيزون الدفع للفقير الكسوب- إلى أنه لا يطيب له الأخذ، لأن جواز النفع لا يستلزم جواز الأخذ كما إذا دفع إلى غنى يظنه فقيرًا، فالدفع جائز والأخذ حرام.
    وقال جمهور الحنفية:
    الأخذ ليس بحرام، ولكن عدم الأخذ أولى لمن له سداد من عيش (مجمع الأنهر ص220).
    وذهب بعض المالكية أيضًا إلى عدم جواز الدفع للقادر على التكسب (نسبه في حاشية الدسوقي 1/1494 إلى يحيى بن عمر).
    وإنما قلنا: إن هذا المذهب هو الذي تؤيده نصوص الشرع وقواعده. لأن الواجب الذي يفرضه الإسلام على كل قوى قادر على العمل أن يعمل، وأن ييسر له سبيل العمل، وبذلك يكفى نفسه بكد يمينه وعرق جبينه. وفى الحديث الصحيح (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده) (رواه البخاري وغيره (الترغيب والترهيب للمنذري جـ2 - أول كتاب البيوع)، ولا يجوز لمن وجد عملاً يكفيه وهو يقدر عليه أن يدعه، ليأخذ من الصدقات أو يسأل الناس.
    ومن أجل ذلك رأينا رسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم- يقول في صراحة ووضوح: (لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذي مرة سوى) (رواه الخمسة وحسنه الترمذي).
    والمرة: القوة والشدة، والسوي: المستوي السليم الأعضاء.
    وروى الطبري عن زهير العامري: أنه لقي عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله عن الصدقة: أي مال هي؟ فقال: مال العرجان، (جمع أعرج) والعوران، والعميان وكل منقطع به (يعنى الضعفاء، وذوى العاهات، والعاجزين عن الكسب). فقال له: إن للعاملين حقًا والمجاهدين ! (أي من سهم العاملين عليها وسهم سبيل الله) قال عبد الله: إن المجاهدين قوم أحل لهم (أي أبيح لهم أن يأخذوا ما يعينهم على الجهاد) والعاملين عليها قدر عمالتهم. ثم قال: (لا تحل الصدقة لغنى، ولا لذي مرة سوى) (تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر: 14/231). وهذه الكلمة التي قالها عبد الله بن عمرو، رويت مرفوعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عدد من الصحابة -رضى الله عنهم-، كما رفعها هو إلى النبي في رواية أخرى (رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أبو هريرة وحبشي بن جنادة، وجابر، وطلحة، وعبد الرحمن بن أبى بكر وابن عمر.- انظر نصب الراية: 2/399- 401، وانظر مصنف ابن أبى شيبة: 3/207- 208، طبع حيدر آباد).
    ولا اعتداد بالقدرة الجسمانية واللياقة البدنية، ما لم يكن معها كسب يغنى ويكفى، لأن القوة بغير كسب، لا تكسو من عرى، ولا تطعم من جوع. قال النووي: إذا لم يجد الكسوب من يستعمله حلت له الزكاة، لأنه عاجز (المجموع: 6/191).
    فإذا كان الحديث المذكور قد اكتفى بذكر "ذي المرة السوي" فإن حديثًا آخر قيد هذا الإطلاق، وأضاف إلى القوة الاكتساب.
    فعن عبيد الله بن عدى بن الخيار، أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر ورآهما جلدين (قويين) فقال: (إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها (أي في الزكاة) لغنى، ولا لقوى مكتسب) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وقال أحمد: ما أجوده من حديث"، وقال النووي: "هذا الحديث صحيح" -المجموع: 6/189- وقد سكت عنه أبو داود والمنذري - مختصر السنن: 2/233).
    وإنما خيرهما الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأنه لم يكن على علم بباطن أمرهما، فقد يكونان في الظاهر جلدين قادرين، ويكونان في الواقع غير مكتسبين، أو مكتسبين كسبًا لا يكفى.
    واستدل العلماء بالحديث على أنه ينبغي لولى الأمر -أو رب المال- وعظ آخذ الزكاة الذي لا يعرف حقيقة حاله، وتعريفه أنها لا تحل لغنى ولا قادر على الكسب، أسوة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- (نيل الأوطار: 4/170).
    والمراد بالاكتساب: اكتساب قدر الكفاية. وإلا كان من أهل الاستحقاق للزكاة، والعجز عن أصل الكسب ليس بشرط (المجموع: 6/190). ولا يصح أن يقال بوقوف الزكاة على الزمني والمرضى والعجزة فحسب.
    والمعتبر -كما قال النووي- كسب يليق بحاله ومروءته. وأما ما لا يليق به فهو كالمعدوم (المجموع: 6/190).
    على أن حديث تحريم الزكاة على "ذي المرة السوي" يعمل بإطلاقه بالنسبة للقادر الذي يستمر في البطالة، مع تهيؤ فرص الكسب الملائم لمثله عرفًا.
    والخلاصة أن القادر على الكسب الذي يحرم عليه الزكاة هو الذي تتوافر فيه الشروط الآتية:
    1- أن يجد العمل الذي يكتسب منه.
    2- أن يكون هذا العمل حلالاً شرعًا، فإن العمل المحظور في الشرع بمنزلة المعدوم.
    3- أن يقدر عليه من غير مشقة شديدة فوق المحتمل عادة.
    4- أن يكون ملائمًا لمثله، ولائقًا بحاله ومركزه ومروءته ومنزلته الاجتماعية.
    5- أن يكتسب منه قدر ما تتم به كفايته وكفاية من يعولهم.
    ومعنى هذا: أن كل قادر على الكسب مطلوب منه شرعًا أن يكفى نفسه بنفسه، وأن المجتمع بعامة -وولى الأمر بخاصة- مطلوب منه أن يعينه على هذا الأمر الذي هو حق له وواجب عليه. فمن كان عاجزًا عن الكسب - لضعف ذاتي كالصغر والعته والشيخوخة والعاهة والمرض، أو كان قادرًا ولم يجد بابًا حلالاً للكسب يليق بمثله، أو وجد ولكن كان دخله من كسبه لا يكفيه وعائلته، أو يكفيه بعض الكفاية دون تمامها - فقد حل له الأخذ من الزكاة، ولا حرج عليه في دين الله.
    هذه هي تعليمات الإسلام الناصعة التي جمعت بين العدل والإحسان أو العدل والرحمة.؛ أما مبدأ الماديين القائلين: "من لا يعمل لا يأكل" فهو مبدأ غير طبيعي، وغير أخلاقي، وغير إنساني.؛ بل إن في الطيور والحيوانات أنواعًا يحمل قويها ضعيفها، ويقوم قادرها بعاجزها، أفلا يبلغ الإنسان مرتبة هذه العجماوات؟!.
    المتفرغ للعبادة لا يأخذ من الزكاة:
    ومن الرائع حقًا ما ذكره هنا فقهاء الإسلام فقالوا: إذا تفرغ إنسان قادر على الكسب لعبادة الله تعالى بالصلاة، والصيام، ونحوهما من نوافل العبادات لا يعطى من الزكاة، ولا تحل له؛ لأن مصلحة عبادته قاصرة عليه (انظر: الروضة للنووي: 2/3009، والمجموع: 6/191). ولأنه مأمور بالعمل والمشي في مناكب الأرض، ولا رهبانية في الإسلام. والعمل في هذه الحال لكسب العيش من أفضل العبادات إذا صدقت فيه النية، والتزمت حدود الله.
    المتفرغ للعلم يأخذ من الزكاة:
    فإذا ما تفرغ لطلب علم نافع، وتعذر الجمع بين الكسب وطلب العلم، فإنه يعطى من الزكاة قدر ما يعينه على أداء مهمته، وما يشبع حاجاته ومنها كتب العلم التي لابد منها لمصلحة دينه ودنياه.
    وإنما أعطى طالب العلم لأنه يقوم بفرض كفاية، ولأن فائدة علمه ليست مقصورة عليه بل هي لمجموع الأمة. فمن حقه أن يعان من مال الزكاة، لأنها لأحد رجلين: إما لمن يحتاج من المسلمين. أو لمن يحتاج إليه المسلمون. وهذا قد جمع بين الأمرين.
    واشترط بعضهم أن يكون نجيبًا يرجى تفوقه ونفع المسلمين به، وإلا لم يستحق الأخذ من الزكاة، ما دام قادرًا على الكسب (انظر المرجع السابق وشرح غاية المنتهى: 2/137، وحاشية الروض المربع: 1/400، والمجموع: 6/190 - 191). وهو قول وجيه. وهو الذي تسير عليه الدول الحديثة، حيث تنفق على النجباء والمتفوقين، بأن تتيح لهم دراسات خاصة، أو ترسلهم في بعثات خارجية أو داخلية.
    المستورون المتعففون أولى بالمعونة ولقد يظن كثير من الناس -من سوء العرض لتعاليم الإسلام وسوء التطبيق لها- أن الفقراء والمساكين المستحقين للزكاة هم أولئك المتبطلون، أو المتسولون، الذين احترفوا سؤال الناس، وتظاهروا بالفقر والمسكنة، ومدوا أيديهم للغادين والرائحين، في المجامع والأسواق، وعلى أبواب المساجد وغيرها، ولعل هذه الصورة للمسكين كانت ماثلة في أذهان كثير من الناس منذ زمن قديم، حتى في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مما جعله عليه السلام ينبه الناس على أهل الحاجة الحقيقيين، الذين يستحقون معونة المجتمع بحق، وإن لم يفطن لهم الكثيرون، فقال عليه الصلاة والسلام في ذلك: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرأوا إن شئتم: (لا يسألون الناس إلحافًا) (البقرة: 273).
    ومعنى: (لا يسألون الناس إلحافًا): لا يلحون في المسألة ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وعنده ما يغنيه عن المسألة فقد ألحف. وهذا وصف لفقراء المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله ورسوله، وليس لهم مال ولا كسب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم (تفسير ابن كثير: 1/324). قال تعالى في وصفهم، والتنويه بشأنهم: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافًا) (البقرة: 273).. فهؤلاء وأشباههم أحق الناس أن يعانوا كما أرشدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديثه المذكور.
    وفى رواية أخرى: (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) (الحديث بروايتيه متفق عليه).ذلك هو المسكين الجدير بالمعونة وإن كان الناس يغفلون عنه ولا يفطنون له. ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لفت الأنظار إليه، ونبه العقول والقلوب عليه. وإنه ليشمل كثيرًا من أصحاب البيوتات وأرباب الأسر المتعففين، الذين أخنى عليهم الزمن، أو قعد بهم العجز، أو قل مالهم وكثرت عيالهم، أو كان دخلهم من عملهم لا يشبع حاجاتهم المعقولة.
    وقد سئل الإمام الحسن البصري عن الرجل تكون له الدار والخادم أيأخذ من الزكاة؟ فأجاب: بأنه يأخذ إن احتاج ولا حرج عليه (الأموال لأبى عبيد ص 556). وقد ذكرنا فتوى الإمام محمد بن الحسن فيمن له أرض يزرعها أو حوانيت يستغلها، أو غلتها ثلاثة آلاف ولا تكفى لنفقته ونفقة عياله سنة: أنه يحل له أخذ الزكاة وإن كانت قيمتها تبلغ ألوفًا وعليه الفتوى عند الحنفية، كما نقله ابن عابدين (رد المحتار: 2/88).
    كما ذكرنا فتوى الإمام أحمد في الرجل: إذا كان له عقار يستغله أو ضيعة تساوى عشرة آلاف درهم أو أقل من ذلك أو أكثر ولكنها لا تقيمه -يعنى لا تقوم بكفايته- بأنه يأخذ من الزكاة (المغنى مع الشرح الكبير: 2/525).
    وقال الشافعية: إذا كان له عقار ينقص دخله عن كفايته فهو فقير أو مسكين، فيعطى من الزكاة تمام كفايته، ولا يكلف بيعه (المجموع: 6/192).
    وقال المالكية: يجوز دفع الزكاة لمن يملك نصابًا أو أكثر، لكثرة عياله، ولو كان له الخادم والدار التي تناسبه (شرح الخرشي بحاشية العدوى على خليل: 2/215، وحاشية الدسوقي: 1/494).
    ليس المقصود بالزكاة إذن إعطاء المعدم المترب فقط، ذلك الذي لا يجد شيئًا أو لا يملك شيئًا، وإنما يقصد بها أيضًا إغناء ذلك الذي يجد بعض الكفاية، ولكنه لا يجد كل ما يكفيه.
    كم يعطى الفقير والمسكين من الزكاة؟
    اختلفت المذاهب الفقهية في مقدار ما يعطى الفقير والمسكين من الزكاة ونستطيع أن نحصر هذا الخلاف في اتجاهين رئيسيين: الاتجاه الأول: يقول بإعطائهما ما يكفيهما تمام الكفاية بالمعروف، دون تحديد بمقدار من المال.
    الاتجاه الثاني: يقول بإعطائهما مقدارًا محددًا من المال يقل عند بعضهم، ويكثر عند آخرين.
    وسنبدأ بالاتجاه الأول؛ لأنه أقرب إلى منطق الإسلام ونصوصه وأهدافه في باب الزكاة، وقد انقسم هذا الاتجاه إلى مذهبين:
    1- مذهب يقول بإعطاء كفاية العمر.
    2- ومذهب يقتصر على إعطاء كفاية السنة.
    المذهب الأول- إعطاء الفقير كفاية العمر:
    يتجه هذا المذهب إلى: أن يعطى الفقير ما يستأصل شأفة فقره، ويقضى على أسباب عوزه وفاقته، ويكفيه بصفة دائمة ولا يحوجه إلى الزكاة مرة أخرى.
    قال الإمام النووي في "المجموع": "المسألة الثانية- في قدر المصروف إلى الفقير والمسكين:. قال أصحابنا العراقيون وكثيرون من الخراسانيين: يعطيان ما يخرجهما من الحاجة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام. وهذا هو نص الشافعي رحمه الله. واستدل له الأصحاب بحديث قبيصة بن المخارق الهلالي -رضى الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة، اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش- أو قال: سدادًا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه: قد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش ـ أو قال: سدادًا من عيش ـ فما سواهن من المسألة، يا قبيصة، سحت يأكلها صاحبها سحتًا) (رواه مسلم في صحيحه).
    قال أصحابنا: فأجاز رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسألة حتى يصيب ما يسد حاجته فدل على ما ذكرناه.
    قالوا: فإن كان عادته الاحتراف أعطى ما يشترى به حرفته، أو آلات حرفته، قلت قيمة ذلك أم كثرت، ويكون قدره بحيث يحصل له من ربحه ما يفي بكفايته غالبًا تقريبًا، ويختلف ذلك باختلاف الحرف والبلاد والأزمان والأشخاص.وقرب جماعة من أصحابنا ذلك فقالوا: من يبيع البقل يعطى خمسة دراهم أو عشرة. ومن حرفته بيع الجوهر يعطى عشرة آلاف درهم مثلاً، إذا لم يتأت له الكفاية بأقل منها، ومن كان تاجرًا أو خبازًا أو عطارًا أو صرافًا أعطى بنسبة ذلك، ومن كان خياطًا أو نجارًا أو قصارًا أو قصابًا، أو غيرهم من أهل الصنائع أعطى ما يشترى به من الآلات التي تصلح لمثله.
    وإن كان من أهل الضياع (المزارع) يعطى ما يشترى به ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام.
    فإن لم يكن محترفًا، ولا يحسن صنعة أصلاً، ولا تجارة ولا شيئًا من أنواع المكاسب أعطى كفاية العمر الغالب لأمثاله في بلاده، ولا يتقدر بكفاية سنة (انظر: المجموع للنووي: 6/193 - 195).
    ووضح ذلك شمس الدين الرملي في شرح المنهاج للنووي. فذكر أن الفقير والمسكين إن لم يحسن كل منهما كسبًا بحرفة ولا تجارة، يعطى كفاية ما بقى من العمر الغالب لأمثاله في بلده. لأن القصد إغناؤه، ولا يحصل إلا بذلك، فإن زاد عمره عليه أعطى سنة بسنة.
    وليس المراد بإعطاء من لا يحسن الكسب إعطاءه نقدًا يكفيه بقية عمره المعتاد، بل إعطاءه ثمن ما يكفيه دخله منه. كأن يشترى له به عقار يستغله، ويغتني به عن الزكاة، فيملكه ويورث عنه.
    قال: والأقرب -كما بحثه الزركشي- أن للإمام -دون المالك- شراءه له، وله إلزامه بالشراء، وعدم إخراجه عن ملكه، وحينئذ ليس له إخراجه فلا يحل ولا يصح فيما يظهر.
    ولو ملك هذا دون كفاية العمر الغالب، كمل له من الزكاة كفايته. ولا يشترط اتصافه يوم الإعطاء بالفقر والمسكنة.
    قال الماوردي: لو كان معه تسعون ولا يكفيه إلا ربح مائة أعطى العشرة الأخرى، وإن كفته التسعون -لو أنفقها من غير اكتساب فيها- سنين لا تبلغ العمر الغالب.
    وهذا كله فيمن لا يحسن الكسب.أما من يحسن حرفة لائقة تكفيه، فيعطى ثمن آلة حرفته وإن كثرت، ومن يحسن تجارة يعطى رأس مال يكفيه ربحه منه غالبًا، باعتبار عادة بلده،.ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والنواحي.
    ولو أحسن أكثر من حرفة والكل يكفيه، أعطى ثمن أو رأس مال الأدنى، وإن كفاه بعضها فقط أعطى له. وإن لم تكفه واحدة منها أعطى لواحدة، وزيد له شراء عقار يتم دخله بقية كفايته (انظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين الرملي: 6/159). أ هـ.
    هذا ما نص عليه الشافعي في الأم، وما رجحه وأخذ به جمهور أصحابه، وفرعوا عليه، وفصلوا فيه تلك التفصيلات الدقيقة التي نقلناها هنا، والتي تدل على مدى غنى الفقه الإسلامي بالمبادئ والصور والفروع في شتى المجالات.
    وفى مذهب أحمد رواية تماثل ما نص عليه الشافعي، فأجاز للفقير أن يأخذ تمام كفايته دائمًا، بمتجر أو آلة صنعة أو نحو ذلك، وقد اختار هذه الرواية بعض الحنابلة ورجحوا العمل بها (انظر: الأنصاف: 3/238).
    وقال الخطابي في شرح حديث قبيصة السابق: فيه: أن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة، هو الكفاية، التي بها قوام العيش وسداد الخلة، وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته وليس فيه حد معلوم، يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم (معالم السنن: 2/239).
    إذا أعطيتم فأغنوا:
    وهذا المذهب هو الموافق لما جاء عن الفاروق عمر -رضى الله عنه-، فلقد رأينا السياسة العمرية الراشدة تقوم على هذا المبدأ الحكيم الذي أعلنه الفاروق -رضى الله عنه-: (إذا أعطيتم فأغنوا) (الأموال ص 565).
    كان عمر يعمل على إغناء الفقير بالزكاة، لا مجرد سد جوعته بلقيمات أو إقالة عثرته بدريهمات. جاء رجل يشكو إليه سوء الحال، فأعطاه ثلاثًا من الإبل، وما ذلك إلا ليقيه من العيلة. والإبل كانت أنفع أموالهم وأنفسها حينذاك، وقال للموظفين الذين يعملون في توزيع الصدقات على المستحقين: (كرروا عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل) (الأموال ص 565، 566).
    وقال معلنًا عن سياسته تجاه الفقراء: "لأكررنَّ عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل" (المصدر السابق).
    وقال عطاء الفقيه التابعي الجليل: "إذا أعطى الرجل زكاة ماله أهل بيت من المسلمين فجبرهم، فهو أحب إلى" (نفس المصدر).
    وتستطيع الدولة المسلمة -بناء على هذا الرأي- أن تنشئ من أموال الزكاة مصانع وعقارات ومؤسسات تجارية ونحوها وتملكها للفقراء، كلها أو بعضها. لتدر عليهم دخلاً يقوم بكفايتهم كاملة. ولا تجعل لهم الحق في بيعها ونقل ملكيتها، لتظل شبه موقوفة عليهم.
    المذهب الثاني - يعطى كفاية سنة:
    هناك مذهب ثان قال به المالكية وجمهور الحنابلة وآخرون من الفقهاء: أن يعطى الفقير والمسكين من الزكاة ما تتم به كفايته وكفاية من يعوله سنة كاملة. ولم ير أصحاب هذا الرأي ضرورة لإعطائه كفاية العمر. كما لم يروا أن يعطى أقل من كفاية السنة.
    وإنما حددت الكفاية بسنة، لأنها -في العادة- أوسط ما يطلبه الفرد من ضمان العيش له ولأهله، وفى هدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك أسوة حسنة، فقد صح أنه ادخر لأهله قوت سنة (متفق عليه).
    ولأن أموال الزكاة في غالبها حولية، فلا داعي لإعطاء كفاية العمر، وفى كل عام تأتى حصيلة جديدة من موارد الزكاة، ينفق منها على المستحقين (استظهر بعض المالكية أن الزكاة إذا كانت لا تفرق كل عام إعطاء أكثر من كفاية السنة كما في حاشية الدسوقي: 1/464).
    ويرى القائلون بهذا المذهب أن كفاية السنة ليس لها حد معلوم لا تتعداه من الدراهم أو الدنانير، بل يصرف للمستحق كفاية سنته بالغة ما بلغت.
    فإذا كانت كفاية السنة لا تتم إلا بإعطاء الفقير الواحد أكثر من نصاب من نقد، أو حرث أو ماشية أعطى من الزكاة ذلك القدر وإن صار به غنيًا، لأنه حين الدفع إليه كان فقيرًا مستحقًا (شرح الخرشي على متن خليل: 2/215 وفى حاشية الدسوقي: 1/494: يجوز أن يدفع من الزكاة للفقير في مرة واحدة كفاية سنة من نفقة وكسوة، وإن اتسع المال زيد العبد ومهر الزوجة).
    الزواج من تمام الكفاية:
    وأحب أن ألقى مزيدًا من الضوء على مفهوم "الكفاية" المطلوب تحقيقها وإتمامها للفقير والمسكين، كما يتصورها الفقه الإسلامي. فمن الرائع حقًا أن يلتفت علماء الإسلام إلى أن الطعام والشراب واللباس ليست هي حاجات الإنسان فحسب، بل في الإنسان دوافع أو غرائز أخرى تدعوه وتلح عليه، وتطالبه بحقها من الإشباع، ومن ذلك غريزة النوع أو الجنس، التي جعلها الله سوطًا يسوق الإنسان إلى تحقيق الإرادة الإلهية في عمارة الأرض، وبقاء هذا النوع الإنساني فيها إلى ما شاء الله. والإسلام لا يصادر هذه الغريزة، وإنما ينظمها، ويضع الحدود لسيرها وفق أمر الله.
    وإذا كان الإسلام قد نهى عن التبتل والاختصاء وكل لون من ألوان مصادرة الغريزة، وأمر بالزواج كل قادر عليه مستطيع لمؤنته: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) (رواه البخاري في كتاب الصوم من صحيحه). فلا غرو أن يشرع معونة الراغبين في الزواج ممن عجزوا عن تكاليفه المادية من المهر ونحوه.
    ولا عجب إذا قال العلماء: إن من تمام الكفاية ما يأخذه الفقير ليتزوج به إذا لم تكن له زوجة واحتاج للنكاح (حاشية الروض المربع: 1/400 وانظر هامش مطالب أولى النهى: 2/147).
    بل قال بعضهم: إذا لم تكفه زوجة واحدة زوج اثنتين، لأنه من تمام كفايته (انظر: شرح كتاب النيل وشفاء العليل في فقه الإباضية: 2/135).وقد أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز من ينادى في الناس كل يوم: أين المساكين؟ أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ (البداية والنهاية لابن كثير: 9/200). -أي الذين يريدون الزواج- وذلك ليقضى حاجة كل طائفة منهم من بيت مال المسلمين.
    والأصل في هذا ما رواه أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءه رجل فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: (على كم تزوجتها)؟ قال: على أربع أواق (440=160درهمًا). فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (على أربع أواق؟ كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل !؟ ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب فيه) (نيل الأوطار: 6/316، والأواقي جمع أوقية وقد تساوى حينذاك 40 درهمًا وكانت الشاة تقدر من 5 دراهم إلى 10 فهذا القدر كثير على مثل هذا الرجل الذي جاء يطلب المعونة في مهره).
    والحديث دليل على أن إعطاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم في مثل هذه الحال كان معروفًا لهم، ولهذا قال له: (ما عندنا ما نعطيك). ومع هذا حاول علاج حاجته بوسيلة أخرى.
    كتب العلم من الكفاية:
    والإسلام دين يكرم العقل، ويدعو إلى العلم، ويرفع من مكانة العلماء، ويعد العلم مفتاح الإيمان، ودليل العمل، ولا يعتد بإيمان المقلد ولا بعبادة الجاهل. ويقول القرآن في صراحة: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (الزمر: 9).. ويقول في التفريق بين الجاهل والعالم وبين الجهل والعلم: (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور) (فاطر: 19 - 20).. ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) (رواه ابن عبد البر في "العلم" عن أنس ورمز له السيوطي بعلامة الصحة).
    وليس العلم المطلوب محصورًا في علم الدين وحده بل كل علم نافع يحتاج إليه المسلمون في دنياهم، لصحة أبدانهم، وتنمية اقتصادهم وعمرانهم. وتمكينهم من التفوق العسكري على عدوهم، ونحو ذلك من الأغراض، فإنه فرض كفاية. كما قرر المحققون من العلماء. فلا عجب أن رأينا فقهاء الإسلام يقررون في أحكام الزكاة: أن يعطى منها المتفرغ للعلم، على حين يحرم منها المتفرغ للعبادة. ذلك أن العبادة في الإسلام لا تحتاج إلى تفرغ، كما يحتاج العلم والتخصص فيه. كما أن عبادة المتعبد لنفسه، أما علم المتعلم فله ولسائر الناس (المجموع: 6/190).
    ولم يكتف الإسلام بذلك، بل قال فقهاؤه: يجوز للفقير الأخذ من الزكاة لشراء كتب يحتاجها من كتب العلم التي لابد منها لمصلحة دينه ودنياه (انظر الأنصاف في الفقه الحنبلي: 3/165، 218).
    ورأينا فقهاء الحنفية يجيزون نقل الزكاة من بلد إلى آخر بلا كراهة -على خلاف القاعدة- إذا نقلت لطالب علم محتاج (انظر: الدر المختار وحاشيته: 2/94).
    أي المذهبين أولى بالاتباع؟
    وبعد عرض هذين المذهبين من مذاهب الفقه الإسلامي: مذهب من يرى إعطاء الفقير كفاية العمر كله مرة واحدة.. ومذهب من يرى إعطاءه كفاية سنة كاملة فحسب، فأي هذين المذهبين أحق أن يتبع، ولكل منهما وجهته ودليله؟ وخاصة إذا أردنا أن تقوم الحكومة المسلمة بأمر الزكاة؟.
    والذي أختاره: أن لكل من المذهبين مجاله الذي يعمل به فيه.
    ذلك أن الفقراء والمساكين نوعان:
    نوع يستطيع أن يعمل ويكسب ويكفى نفسه بنفسه، كالصانع والتاجر والزارع، ولكن ينقصه أدوات الصنعة أو رأس مال التجارة، أو الضيعة وآلات الحرث والسقي، فالواجب لمثل هذا أن يعطى من الزكاة ما يمكنه من اكتساب كفاية العمر، وعدم الاحتياج إلى الزكاة مرة أخرى بشراء ما يلزمه لمزاولة حرفته وتمليكه إياه، استقلالاً أو اشتراكًا على قدر ما تسمح حصيلة الزكاة.والنوع الآخر عاجز عن الكسب كالزمن والأعمى والشيخ الهرم والأرملة، والطفل ونحوهم، فهؤلاء لا بأس أن يعطى الواحد منهم كفاية السنة. أي يعطى راتبًا دوريًا يتقاضاه كل عام، بل ينبغي أن يوزع على أشهر العام إن خيف من المستحق الإسراف وبعثرة المال في غير حاجة ماسة. وهذا هو المتبع في عصرنا، فالرواتب إنما تعطى للموظفين شهرًا بشهر، وكذلك المساعدات الدورية.
    والعجيب أنني بعد أن اخترت هذا التقسيم، وجدته -تقريبًا- منصوصًا عليه في بعض كتب الحنابلة.
    فقد قال في "غاية المنتهى" وشرحه -بعد أن ذكر قول الإمام أحمد في صاحب العقار والضيعة التي تغل عشرة آلاف أو أكثر ولا تكفيه: "إن له أن يأخذ من الزكاة ما يكفيه"- قال: "وعليه، فيعطى محترف ثمن آلة وإن كثرت، وتاجر يعطى رأس مال يكفيه. ويعطى غيرهما من فقير ومسكين تمام كفايتهما مع كفاية عائلتهما سنة، لتكرر الزكاة بتكرر الحول، فيعطى ما يكفيه إلى مثله" (مطالب أولى النهى: 2/136). وهو قريب مما اخترته، وإن لم يصرح بكفاية العمر، ولكنه مفهوم من إعطاء ثمن الآلة، ورأس المال.
    مذاهب أخرى حددت ما يعطاه الفقير:
    وأما الاتجاه الثاني، فإن أصحابه من الفقهاء قد أوجبوا حدًا معينًا فيما يعطاه الفقير والمسكين، ما بين مقل ومكثر.
    فأبو حنيفة وأصحابه ذهبوا إلى أنه لا يجوز الزيادة على مائتي درهم (أي نصاب النقود) وإذا كان له من يعوله من زوجة وأولاد، جاز أن يأخذ لكل واحد منهم مقدار هذا النصاب.
    وذهب بعض الفقهاء إلى ما هو أدنى من ذلك، فلم يجوزوا الزيادة على خمسين درهمًا. وقال بعضهم: لا يزيد على أربعين. ومنهم من قال: لا يزاد على قوت اليوم والليلة.
    وعلى كل هؤلاء رد الفقيه الظاهري ابن حزم فقال: "يعطى من الزكاة الكثير جدًا، والقليل، لا حد في ذلك، إذ لم يوجب الحد في ذلك قرآن ولا سنة" (المحلى: 6/156).
    ترجيح أبى عبيد لمذهب التوسعة في الإعطاء:
    أما أبو عبيد الفقيه الحجة في الشئون المالية في الإسلام، والمعدود من الأئمة المجتهدين، فقد أيد مذهب التوسعة في الإعطاء بغير حد ودون تحفظ.
    وقد ذكر أبو عبيد قصة أبى طلحة وتصدقه بحائطه على أبى قتادة وحسان، ثم قال "الحائط هو المخرف (البستان) ذو النخيل والشجر والزروع، فكم يلي أن يكون أدنى قيمة مثل هذا؟.
    "وقد أشفق أبو طلحة ألا يستطيع أن يخفيه من شهرته وقدره ثم لم يجعله إلا بين اثنين لا ثالث لهما.قال أبو عبيد: فهذه الصدقة وإن كان نافلة، فما سبيلها وسبيل الفرض إلا سواء، لأن الصدقة إذا كان يحرم كثيرها على الأخذ في الواجب الذي جعله حتمًا للفقراء في أموال الأغنياء، إنه عليهم في التطوع الذي لم يوجبه لهم عليهم لأضيق وأشد تحريمًا، ولئن كان لهم حلالاً وكان المعطى في النافلة محسنًا بارًا، إنه في أداء الفريضة لأكثر إحسانًا" (الأموال لأبى عبيد ص 561).
    ثم ذكر أبو عبيد الآثار التي أثبتنا بعضها هنا -عن عمر وعطاء وغيرهما- ثم عقب عليها بقوله: فكل هذه الآثار دليل على أن ما يعطاه أهل الحاجة من الزكاة ليس له وقت (أي حد) محظور على المسلمين ألا يعدوه إلى غيره -وإن لم يكن المعطى غارمًا- بل فيه المحبة والفضل، إذا كان ذلك على جهة النظر من المعطى بلا محاباة، ولا إيثار هوى، كرجل رأى أهل بيت من صالح المسلمين أهل فقر ومسكنة وهو ذو مال كثير، ولا منزل لهؤلاء يؤويهم ويستر خلتهم، فاشترى من زكاة ماله مسكنًا يكنهم من كلب الشتاء، وحر الشمس، أو كانوا عراة لا كسوة لهم، فكساهم ما يستر عورتهم في صلاتهم ويقيهم من الحر والبرد، أو رأى مملوكًا عند مليك سوء قد اضطهده، وأساء ملكته، فاستنقذه من رقه، بأن يشتريه فيعتقه، أو مر به ابن سبيل بعيد الشقة، نائي الدار، قد انقطع به، فحمله إلى وطنه وأهله بكراء أو شراء. هذه الخلال وما أشبهها، التي لا تنال إلا بالأموال الكثيرة، ولم تسمح نفس الفاعل أن يجعلها نافلة، فيجعلها من زكاة ماله، أما يكون هذا مؤديًا للفرض؟! بلى، ثم يكون إن شاء الله محسنًا" (الأموال لأبى عبيد ص 567).
    مستوى لائق للمعيشة:
    ومن هنا يتبين لنا أن الهدف من الزكاة ليس إعطاء الفقير درهمًا أو درهمين، وإنما الهدف تحقيق مستوى لائق للمعيشة، لائق به بوصفه إنسانًا كرمه الله واستخلفه في الأرض.. ولائق به بوصفه مسلمًا ينتسب إلى دين العدل والإحسان، وينتمي إلى خير أمة أخرجت للناس.وأدنى ما يتحقق به هذا المستوى أن يتهيأ له ولعائلته طعام وشراب ملائم، وكسوة للشتاء وللصيف، ومسكن يليق بحاله. وهذا ما ذكره ابن حزم في "المحلى" كما سيأتي مفصلاً في الباب الثامن، وذكره النووي في "المجموع" وفى "الروضة" وذكره كثيرون من العلماء.
    قال النووي في تحديد الكفاية التي تعمل الزكاة على تحقيقها، بل إتمامها، لذوى الحاجة: "قال أصحابنا: المعتبر.. المطعم والملبس والمسكن، وسائر ما لا بد له منه، على ما يليق بحاله، بغير إسراف ولا إقتار، لنفس الشخص ولمن هو في نفقته" (المجموع: 6/191 وانظر الروضة: 2/311).
    ومما لابد للمرء منه في عصرنا: أن يتعلم أولاده من أحكام دينهم، وثقافة عصرهم، ما يزيل عنهم ظلمات الجهل وييسر لهم سبيل الحياة الكريمة، ويعينهم على أداء واجباتهم الدينية والدنيوية.
    وقد مر بنا في بحث الحاجات الأصلية للفرد المسلم أن منها: دفع الجهل عنه؛ فإنه موت أدبي، وهلاك معنوي.
    ومما لابد للمرء منه في عصرنا أن ييسر له سبيل العلاج إذا مرض هو أو أحد أفراد عائلته، ولا يترك للمرض يفترسه ويفتك به، فهذا قتل للنفس وإلقاء باليد إلى التهلكة. وفى الحديث: (تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء) (رواه أحمد وأصحاب السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم، وإسناده صحيح، كما قال المناوي في التيسير).
    وقال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) (البقرة: 195)، (ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيمًا) (النساء: 29).
    وفى الصحيح: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) وإذا ترك المسلم أخاه أو ترك المجتمع المسلم فردًا منه، فريسة للمرض دون أن يعالجه، فقد أسلمه وخذله بلا شك.
    والذي ينبغي الالتفات إليه أن مستوى المعيشة للشخص لا يمكن تحديده تحديدًا جامدًا صارمًا، لأنه يختلف باختلاف العصور والبيئات، وباختلاف ثروة كل أمة ومقدار دخلها القومي.
    ورب شيء يكون كماليًا في عصر، أو بيئة، يصبح حاجيًا، أو ضروريًا في عصر آخر، أو بيئة أخرى.
    معونة دائمة منتظمة:
    إذا عرفنا هدف الإسلام من الزكاة -بالنظر للفقير والمسكين الذي لا يحسن حرفة ولا يقدر على عمل- وهو كفالة مستوى معيشي ملائم له ولعائلته، وأنه يعطى تمام كفايته لمدة سنة كاملة، لا لشهر أو شهرين.. فلنضف إلى ذلك أن الزكاة بالنسبة لهذا الصنف من المستحقين معونة دائمة منتظمة، حتى يزول الفقر بالغنى، ويزول العجز بالقدرة، أو تزول البطالة بالكسب، وهكذا.. ولنتأمل في هذه القصة الواقعية التي حكاها لنا أبو عبيد بسنده. قال:
    (بينا عمر نصف النهار قائل في ظل شجرة، وإذا أعرابية، فتوسمت الناس، فجاءته فقالت: إني امرأة مسكينة، ولى بنون. وإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان بعث محمد بن مسلمة ساعيًا -تعنى جابيًا وموزعًا للصدقة- فلم يعطنا. فلعلك -يرحمك الله- أن تشفع لنا إليه !!.
    قال: فصاح بيرفأ (خادمه) أن ادع لي محمد بن مسلمة.
    فقالت: إنه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه.
    فقال: إنه سيفعل إن شاء الله. فجاءه يرفأ فقال: أجب.. فجاء فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين.. فاستحيت المرأة. فقال عمر: والله ما آلو أن أختار خياركم. كيف أنت قائل إذا سألك الله -عز وجل- عن هذه؟! فدمعت عينا محمد.. ثم قال عمر: إن الله بعث إلينا نبيه -صلى الله عليه وسلم- فصدقناه واتبعناه. فعمل بما أمره الله به، فجعل الصدقة لأهلها من المساكين حتى قبضه الله على ذلك. ثم استخلف الله أبا بكر فعمل بسنته حتى قبضه الله. ثم استخلفني فلم آل أن أختار خياركم، إن بعثتك فأد إليها صدقة العام، وعام أول.. وما أدرى لعلى لا أبعثك. ثم دعا لها بجمل فأعطاها دقيقًا وزيتًا، وقال: خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر، فإنا نريدها، فأتته بخيبر، فدعا لها بجملين آخرين وقال: خذي هذا فإن فيه بلاغًا حتى يأتيكم محمد بن مسلمة، فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام وعام أول) (الأموال ص 599).
    علام تدل هذه القصة بأحداثها وحوارها؟.
    إنها تدل على مبادئ ومعان كثيرة وسامية حقًا.
    تدل على مدى شعور الحاكم المسلم بمسئوليته عن كل فرد يعيش في ظل حكم الإسلام.
    وتدل على مدى شعور الأفراد أنفسهم بحقهم في عيشة لائقة، تهيئها لهم الدولة المسلمة.
    وتدل على أن الزكاة كانت الدعامة الأولى لبناء التكافل المعيشي في المجتمع المسلم.
    وتدل على أنها كانت معونة منتظمة مستمرة، إذا لم تصل لصاحبها، فإن من حقه أن يتظلم ويشكو.
    وتدل على أن السياسة العمرية الراشدة هي إعطاء ما يكفى ويغنى، فقد أعطى المرأة أولاً جملاً محملاً بالدقيق والزيت، ثم ألحقه بجملين آخرين، وجعل هذا كله عطاء مؤقتًا حتى يعطيها محمد بن مسلمة حقها عن العامين: الماضي والحاضر.
    وتدل -بعد ذلك كله- على أن عمر -رضى الله عنه- لم يكن في ذلك مبتدعًا، بل كان متبعًا لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولخليفته أبى بكر رضى الله عنه.
    من كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوى ( بتصرف )
    ------------------------------------------------ العاملين عليها
    المصرف الثالث من مصارف الزكاة -بعد الفقراء والمساكين- هم "العاملون عليها" ويقصد بهم كل الذين يعملون في الجهاز الإداري لشئون الزكاة، من جباة يحصلونها ومن خزنة وحراس يحفظونها، ومن كتبة وحاسبين يضبطون واردها ومصروفها، ومن موزعين يفرقونها على أهلها... كل هؤلاء جعل الله أجورهم في مال الزكاة، لئلا يؤخذ من أرباب الأموال سواها، وللتنبيه على أن تكون للزكاة حصيلة قائمة بذاتها، ينفق منها على القائمين بأمرها.
    واهتمام القرآن بهذا الصنف ونصه عليه، وجعله ضمن الأصناف الثمانية المستحقين وجعل ترتيبه بعد الفقراء والمساكين وهم أول المصارف وأولاها بالزكاة... هذا كله دليل على أن الزكاة في الإسلام ليست وظيفة موكولة إلى الفرد وحده، وإنما هي وظيفة من وظائف الدولة، تشرف عليها وتدبر أمرها، وتعين لها من يعمل عليها من جاب وخازن وكاتب وحاسب.. إلخ، وأن لها حصيلة أو ميزانية خاصة يعطى منها رواتب الذين يعملون فيها (انظر فصل "علاقة الدولة بالزكاة" من الباب القادم).
    واجب الحكومة إرسال الجباة
    ومن هنا نص الفقهاء: أنه يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الزكاة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة، وهذا أمر مشهور مستفيض. ومن ذلك حديث أبى هريرة في الصحيحين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (بعث عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- على الصدقة). وفيهما عن سهل بن سعد: أنه -عليه الصلاة والسلام- "استعمل ابن اللتبية على الصدقات" والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ولأن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، ومنهم من يعرف ويبخل فوجب أن يبعث من يأخذ (المجموع للنووي: 6/167).
    ويبعث الإمام أو نائبه عمال الزكاة للزروع والثمار -وهى ما لا يتعلق بالحول- وقت وجوبها، وهو إدراكها، بحيث يصلهم وقت الجذاذ والحصاد. وأما المواشي وغيرها من الأموال التي يعتبر فيها الحول، فينبغي للساعي أن يعين شهرًا يأتيهم فيه، ويستحب أن يكون ذلك الشهر هو المحرم، صيفًا كان أو شتاء، لأنه أول السنة الشرعية (المصدر نفسه ص 170).
    مهمة العاملين على الزكاة:
    وهؤلاء العاملون عليها لهم وظائف شتى، وأعمال متشعبة، كلها متصل بتنظيم أمر الزكاة، بإحصاء من تجب عليه وفيم تجب، ومقدار ما يجب، ومعرفة من تجب له، وكم عددهم، ومبلغ حاجتهم، وقدر كفايتهم... إلى غير ذلك من الشئون التي تحتاج إلى جهاز كامل من الخبراء وأهل الاختصاص ومن يعاونهم.
    إدارتان للزكاة
    ويمكن تقسيم هذا الجهاز في عصرنا الحاضر إلى إدارتين رئيسيتين، تتبع كل إدارة منهما فروع وأقسام:
    الأولى: إدارة تحصيل الزكاة.
    الثانية: إدارة توزيع الزكاة.
    1- إدارة تحصيل الزكاة واختصاصاتها:
    أما عمل القائمين على التحصيل فهو عمل "ضرائبي" ومهمتهم تشبه ما يسمى عندنا "مأمور الضرائب". فمن وظيفتهم إحصاء الممولين (من تجب عليهم الزكاة) وأنواع أموالهم، ومقادير ما يجب عليهم فيها، ورصد ذلك، وجمعه من أهله، والقيام على حفظه بعد جمعه، حتى تتسلمه إدارة صرف الزكاة وتوزيعها. والمفروض أن يكون لها فروع في مختلف المراكز والمناطق.
    بيد أن اختصاص هذه الإدارة أوسع مجالاً من إدارات الضرائب الحديثة فيما أعلم. فإدارات الضرائب -كما شهدناها- تعمل في مجال النقود وحدها -من ذهب وفضة- أما إدارة جمع الزكاة فتشمل أنواعًا أخرى من الأموال مثل: الحبوب والثمار والماشية والمعدن (ويمكن أخذ القيمة في هذا كله، كما هو مذهب أبى حنيفة ومن وافقه.. كما سنفصل ذلك في الباب القادم).
    ويمكن أن ينشأ لكل نوع من هذه الأموال قسم يختص به ويقوم بكافة شئونه:
    ( أ ) قسم للركاز والمعادن وهو ما يجب فيه الخمس 20%.
    (ب) وقسم للحبوب والثمار وهو ما يجب فيه العشر أو نصفه 10% أو 5%.
    (جـ) وقسم للماشية من إبل وبقر وغنم ولها حساب خاص بها.
    (د) وقسم للنقود وأموال التجارة وهو ما يجب فيه ربع العشر 2.5%.
    2- إدارة توزيع الزكاة واختصاصاتها:
    وعمل هذه الإدارة أقرب ما يكون إلى هيئات "الضمان الاجتماعي" في عصرنا، وعليها اختيار أفضل الطرق لمعرفة المستحقين للزكاة، وحصرهم والتأكد من استحقاقهم، ومقدار حاجتهم، ومبلغ ما يكفيهم، ووضع الأسس السليمة لذلك، وفقًا للعدد والظروف الاجتماعية.
    قال الإمام النووي: ينبغي للإمام والساعي وكل من يفوض إليه أمر تفريق الصدقات، أن يعتني بضبط المستحقين، ومعرفة أعدادهم، وأقدار حاجاتهم بحيث يقع الفراغ من جمع الصدقات بعد معرفتهم أو معها، ليتعجل حقوقهم وليأمن هلاك المال عنده (انظر الروضة: 2/337).
    وهذا دليل على اهتمام علمائنا -رحمهم الله- بتنظيم صرف الزكاة، والعناية القصوى بمستحقيها. حتى يصل إليهم حقهم في أقرب وقت، بدون أن يطالبوا هم به.
    ويجب أن يكون لهذه الإدارة فروع أيضًا في كل منطقة. ويمكن أن تنقسم هذه الإدارة إلى عدة أقسام:
    ( أ ) قسم للفقراء بسبب العجز عن العمل، ويشمل الشيوخ الهرمين والأرامل واليتامى والمصابين في أثناء العمل، والعجزة من المرضى والزمني والمكفوفين وذوى العاهات وذوى الضعف العقلي من المجانين البلهاء ونحوهم، على شرط أن يتحقق لديهم عدم غناهم بمال موروث أو غيره من الموارد.
    (ب) وقسم لذوى الدخل القاصر عن كفايتهم وهم الذين يكتسبون، ولكن كسبهم لا يكفيهم، لقلة الأجر، أو كثرة العيال أو ارتفاع الأسعار، أو غير ذلك من الأسباب. وهم الذين يسميهم بعض الفقهاء "المساكين".
    (جـ) وقسم الغارمين، ويشمل أصحاب الكوارث، ومن استدانوا لأنفسهم في غير محرم. كما يشمل: الغارمين لإصلاح ذات البين، وما يقاس عليه من ألوان البر والخدمة الاجتماعية.
    ( د ) وقسم لإعانة المهاجرين والمشردين واللاجئين السياسيين الذين فروا من ديار الكفر أو الطغيان، وأيضًا الطلاب المبعوثين إلى بلاد أخرى في خدمة الإسلام وهو مصرف "ابن السبيل" كما سيأتي.
    (هـ) وقسم لهيئات نشر الإسلام في بلاد الكفر، والدعوة إليه وإبلاغ رسالته إلى العالم، واستعادة حكمه في أرضه، وتحرير بلاد الإسلام من سلطان الكفار، وأحكام الكفر، وهو مصرف "في سبيل الله" كما سنفصل ذلك في موضعه.
    وتحديد ما ينفق على كل قسم من هذه الأقسام ونصيبه من ميزانية الزكاة يخضع لاجتهاد أولى الأمر، وتقدير أهل الشورى، وفقًا لدراسة إحصائية شاملة، وتبعًا لما تمليه مصلحة الإقليم الذي تجمع منه الزكاة، مع رعاية مصلحة الإسلام باعتباره دعوة عالمية، ومصلحة المسلمين بوصفهم أمة متميزة بين أمم الأرض. وسنفصل ذلك في الفصل الثامن.
    التأكد من أهلية الاستحقاق:
    وعلى كل قسم من هذه الأقسام أن يعمل على التأكد من استحقاق الشخص لما يصرف إليه من مال الزكاة. وهناك قواعد وتوجيهات في هذا الشأن نبه عليها فقهاؤها مستنبطين لها من الأحاديث النبوية. وٍسأذكر هنا بعض ما قالوه بالنظر لاستحقاق الأصناف وبعضه قد تقدم:
    ( أ ) يشترط في استحقاق سهم الفقراء والمساكين: أن لا يكون له مال أو كسب يقوم بتمام كفايته وكفاية من يعوله. ولا يشترط العجز عن أصل الكسب، فالكسوب الذي لا يجد عملاً تحل له الزكاة، لأنه في حكم العاجز. والذي يكسب ما لا يكفيه يحل له أخذ تمام كفايته.
    (ب) المعتبر كسب يليق بحاله ومروءته وأما ما لا يليق به فهو كالمعدوم. والعالم أو الأديب أو غيرهما ممن لم تجر عادته بالتكسب بالبدن، يحل له الأخذ من سهم الفقراء والمساكين حتى يجد عملاً مناسبًا.
    (جـ) من قدر على الكسب ولكنه يطلب العلم، بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل حلت له الزكاة. والصحيح أن هذا فيمن يتأتى منه التحصيل، ويرجى نفع المسلمين بعلمه. وأما من لا يتأتى منه وكان قادرًا على الكسب، فلا يحل له الأخذ وإن كان مقيمًا بالمدرسة.
    ( د ) وإذا كان له عقار ينقص دخله عن كفايته فهو فقير أو مسكين، فيعطى من الزكاة تمام كفايته ولا يكلف بيعه، وكذلك المشتغل بالعلم لا يكلف بيع كتبه، لأنه محتاج إليها، بخلاف غيره.
    (هـ) إذا عرف لرجل مال، وادعى أنه افتقر لم يقبل منه إلا ببينة؛ لأنه ثبت غناه فلا تقبل دعوى الفقر إلا ببينة، كما لو وجب عليه دين آدمي وعرف له مال فادعى الاعسار.
    ( و ) أما إذا لم يعرف له مال وادعى الفقر أو المسكنة، فيقبل قوله بلا خلاف، لأن الفقر أمر خفي تعسر إقامة البينة عليه.
    ( ز ) إذا ادعى أنه لا كسب له، فإن كان ظاهره عدم الكسب كشيخ هرم أو شاب ضعيف البنية أو نحوها، قبل قوله بغير يمين بلا خلاف، لأن الأصل والظاهر عدم الكسب.
    ومن كان شابًا جلدًا قويًا لم يكلف البينة، بل يقبل قوله. ولكن هل يطلب منه اليمين؟.
    قولان، عند الشافعية: أصحهما: لا يطلب منه يمين، لما روى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي أن رجلين سألا النبي -صلى الله عليه وسلم- الصدقة، فرفع فيهما البصر وخفضه فرآهما جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغنى ولا لقوى مكتسب".
    وينبغي لمن يوزع الزكاة أن يذكر الجلد القوى بما ذكر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرجلين، تعليمًا لمن جهل، وتنبيهًا لمن غفل.
    ( ح ) لو ادعى الفقير أو المسكين أن له عيالاً وطلب أن يعطى كفايته وكفايتهم، لم يقبل قوله في العيال إلا ببينة، لأن الأصل عدم العيال، وإقامة البينة على ذلك متيسرة.
    ( ط ) إذا ادعى أنه غارم لم يقبل قوله إلا ببينة.
    ( ي ) البينة في هذه الصور لا يعتبر فيها سماع القاضي وتقدم الدعوى والإنكار والاستشهاد، بل المراد إخبار عدلين بتصديق الشخص فيما يدعيه. واشتهار الحال بين الناس قائم مقام البينة، لحصول العلم به، أو غلبة الظن حتى قال بعضهم: لو أخبر عن الحال واحد يعتمد كفى (نقلنا هذه الأحكام من "المجموع" للنووي: 6/189 وما بعدها).
    وقد جاء في بعض الأحاديث فيمن يحل له المسألة: "رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه: قد أصابت فلانًا فاقة" قال الخطابي: ذلك إنما هو فيمن كان له ملك ثابت وعرف له يسار ظاهر، فادعى تلف ماله، من لص طرقه، أو خيانة ممن أودعه، أو نحو ذلك من الأمور التي لا يبين لها أثر ظاهر في المشاهدة والعيان. فإذا كان ذلك ووقعت في أمره الريبة في النفوس لم يعط شيئًا من الصدقة إلا بعد استبراء حاله، والكشف عنه بالمسألة من أهل الاختصاص به والمعرفة بشأنه. وذلك معنى قوله: "حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه.." إلخ، واشتراطه "الحجا" تأكيدًا لهذا المعنى، أي لا يكونوا من أهل الغباوة والغفلة، ممن يخفى عليهم بواطن الأمور ومعانيها. وليس هذا من باب الشهادة ولكن من باب التبين والتعرف.. فإذا قال نفر من قومه أو جيرانه أو من ذوى الخبرة بشأنه: إنه صادق فيما يدعيه أعطى من الصدقة (معالم السنن للخطابي: 2/238).
    شروط العاملين في الزكاة
    يشترط في العامل على الزكاة أمور:
    1- أن يكون مسلمًا:
    لأنها ولاية على المسلمين فيشترط فيها الإسلام كسائر الولايات، ويستثنى من ذلك الأعمال التي لا تتعلق بالجباية والتوزيع كالحارس والسائق. وعن أحمد رواية جوز فيها أن يكون العامل غير مسلم لعموم لفظ: "العاملين عليها" فيدخل فيه الكافر والمسلم، ولأن ما يأخذه على العمالة أجرة عمله، فلا مانع من أخذه كسائر الإجارات (المغنى: 2/654). وهو تسامح كريم. ولكن الأولى ألا يستعمل على هذه الفريضة الإسلامية إلا مسلم.
    قال ابن قدامة: لأنه عمل يشترط له الأمانة، فاشترط له الإسلام كالشهادة. ولأنه ولاية على المسلمين، فلم يجز أن يتولاها الكافر كسائر الولايات، ولأن من ليس من أهل الزكاة لا يجوز أن يتولى العمالة كالحربي. ولأن الكافر ليس بأمين، ولهذا قال عمر: (لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى). وقد أنكر عمر على أبى موسى توليته الكتابة نصرانيًا، فالزكاة التي هي ركن الإسلام أولى (المغنى: 6/460 مطبعة الإمام). أ هـ.
    2- أن يكون مكلفًا.. أي بالغًا عاقلا.
    3- أمينًا:
    لأنه مؤتمن على أموال المسلمين، فلا يجوز أن يكون فاسقًا خائنًا، فمثله لا يؤمن حيفه على أصحاب الأموال، أو تهاونه في حقوق الفقراء تبعًا للهوى، أو خضوعًا للمنفعة.
    4- العلم بأحكام الزكاة:
    واشترطوا أيضًا أن يكون عالمًا بأحكام الزكاة، إن كان ممن يفوض إليه عموم الأمر؛ لأنه إذا كان جاهلاً بذلك، لم تكن له كفاية لعمله وكان خطؤه أكثر من صوابه (انظر المجموع للنووي: 6/167 وشرح غاية المنتهى: 2/137).
    لأنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ، ويحتاج إلى الاجتهاد الجزئي فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها.
    وأما إذا كان عمله جزئيًا محددًا بدائرة معينة مهمته أن ينفذها فلا يشترط علمه إلا بما كلف به.
    5- الكفاية للعمل:
    أن يكون كافيًا لعمله، أهلاً للقيام به، قادرًا على أعبائه.
    فإن الأمانة وحدها لا تكفى ما لم يصحبها القوة على العمل والكفاية فيه: (إن خير من استأجرت القوى الأمين) (القصص: 26). ولذا قال يوسف -عليه السلام- للملك: (اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم) (يوسف: 55). فالحفظ يعنى الأمانة، والعلم يعنى الكفاية والخبرة. وهما أساس كل عمل ناجح.
    6- هل يجوز تولية ذوى القربى؟.
    واشترط الأكثرون ألا يكون من ذوى القربى للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم، لأن الفضل بن العباس، والمطلب بن ربيعة سألا النبي -صلى الله عليه وسلم- العمالة على الصدقات. قال أحدهما: يا رسول الله، جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة ونؤدي إليك ما يؤدى الناس. فقال: (إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس) (رواه أحمد ومسلم)، وفى لفظ لهما: ( لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) (انظر نيل الأوطار: 4/175- طبع الحلبي).
    والحديث تنفير لآله -عليه الصلاة والسلام- من التطلع إلى أموال الصدقات للانتفاع منها، لقولهما: "نصيب منها ما يصيب الناس من المنفعة" والكلام من باب التشبيه فإنها لما كانت تطهرة لأموال الناس ونفوسهم - كما قال تعالى: (تطهرهم وتزكيهم بها) (التوبة: 103). سميت أوساخًا.
    إن مال الزكاة مال عام، فأي إصابة منه بغير حق، تعتبر إثمًا عظيمًا في شريعة الله، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يريد أن يضرب مثلاً بأقاربه في التنزه عن هذا المال، حتى يحذر الناس من التخوض فيه، والطمع في التزيد منه.
    وقد جوز الناصر من أهل البيت توظيف بنى هاشم في العمالة وإعطائهم من الزكاة وهو قول للشافعي وأحمد. قال القاضي أبو يعلى في الولاية على الصدقات: ويجوز أن يتقلدها من تحرم عليه الصدقات من ذوى القربى والعبيد ويكون رزقه منها، لأن ما يأخذه أجرة لا زكاة، ولهذا يتقدر بقدر عمله. وقد قال الخرقي "ولا تدفع الصدقة لبنى هاشم ولا لكافر ولا لعبد، إلا أن يكونوا من العاملين عليها، فيعطون بحق ما عملوا" (الأحكام السلطانية للقاضي أبى يعلى ص 99 وانظر المجموع للنووي: 6/168).
    وكأنهم جعلوا الحديث للتنفير والتنزيه عن التطلع لمثل هذا العمل لا للتحريم.
    ومن رأى الحديث المذكور يدل على التحريم، فذلك في شأن أخذ أجر العمالة من الزكاة بالنسبة لذوى القربى، أما أن يكونوا عمالاً عليها، ويأخذوا أجرهم من غيرها فهو جائز بالإجماع. وقد وظف على -رضى الله عنه- عاملاً على الزكاة من بنى العباس (نيل الأوطار: 4/175).
    7- هل تشترط الذكورة؟.
    واشترط بعضهم أن يكون العامل ذكرًا، ولم يجوزوا اشتغال المرأة بالعمالة، لأنها ولاية على الصدقات، ولا دليل على ذلك إلا أن يحتجوا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (رواه البخاري في كتاب "الفتن والمغازي" من صحيحه من حديث الحسن البصري عن أبى بكرة).
    ولكن هذا إنما يكون في الولاية العامة التي تكون فيها المرأة صاحبة الأمر والنهى. أما الوظائف -ومنها العمالة على الزكاة- فلا تدخل في دائرة هذا الحديث الشريف.
    ومنهم من استدل بأنه لم ينقل أن امرأة وليت عمالة زكاة البتة، وتركهم ذلك قديمًا وحديثًا يدل على عدم جوازه.
    وهذا ليس بدليل، فقد كانت ظروف المرأة الاقتصادية والاجتماعية في تلك العهود لا تؤهلها لمثل هذا العمل. وترك الناس عملاً ما لا يدل على حرمته.
    وبعضهم قال: إن ظاهر قوله تعالى: (والعاملين عليها) (التوبة: 60). لا يشملها، لأن "العاملين" جمع للذكور (انظر: شرح غاية المنتهى: 2/137). ولو صح ذلك لامتنع إدخال المرأة في الفقراء والغارمين وابن السبيل؛ لأنها جميعًا للذكور. وهذا خلاف للإجماع، لأن المرأة تبع للرجل في ذلك كله، وإن كان الخطاب أو الصيغة للمذكر. والحق أنه ليس في المسألة دليل خاص يمنع المرأة من الاشتغال بالعمالة على الزكاة. ولكن القواعد العامة التي توجب على المرأة الاحتشام والبعد عن مزاحمة الرجال والاختلاط بهم لغير حاجة، يجعل الرجل أولى بهذا العمل من المرأة. إلا في نطاق محدود، كأن تستخدم المرأة لإيصال الزكاة إلى الأرامل والعاجزات من النساء ونحو ذلك، مما تكون المرأة فيه أقدر وأنفع من الرجل، أو على الأقل مثله في الكفاية له، وهو أمر يقدر بقدره، ولا يضيق به الشرع الرحيب.
    8- واشترط بعضهم أن يكون حرًا لا عبدًا، ورد ذلك غيرهم بما رواه أحمد والبخاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (... واسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة).
    ولأنه يحصل منه المقصود فأشبه الحر (المصدر السابق ص 138).
    كم يعطى العامل؟
    العامل موظف، فالواجب أن يعطى ما يكافئ وظيفته من أجر، دون وكس ولا شطط. وقد روى عن الشافعي: أن العاملين عليها يعطون من الزكاة في حدود الثمن، وهو مبنى على رأيه في التسوية بين الأصناف الثمانية، فإن كان أجرهم أكثر من الثمن أعطوا من غير الزكاة.
    ويرى الجمهور أنهم يعطون من الزكاة -كما نص القرآن- كل ما يستحقونه، وإن كان أكثر من الثمن، وهو رواية عن الشافعي. على أن رأى الشافعي هنا رأى وجيه، لما فيه من رعاية مصلحة الفقراء والمستحقين، وهو يتفق مع الاتجاه الحديث في الضرائب، الذي ينادى بوجوب الاقتصاد في نفقات الجباية. ويعطى العامل ولو كان غنيًا، لأنه إنما يأخذ أجرًا على عمل أداه، لا معونة لحاجة أصابته. وقد روى أبو داود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا تحل الصدقة لغنى، إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغنى) (قال النووي في المجموع: هذا الحديث حسن أو صحيح رواه أبو داود من طريقين أحدهما عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والثاني عن عطاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسلاً وإسناده جيد في الطريقين. وقال المنذري (في مختصر السنن: 2/235) وأخرجه ابن ماجه مسندًا. وقال أبو عمر النحوي: وقد وصل هذا الحديث جماعة من رواية زيد بن أسلم).
    تشديد الرسول في الحرص على أموال الزكاة
    إذا كان العامل على الزكاة موظفًا أمينًا من قبل الدولة، فعليه أن يجمعها من حيث أمر، ويضعها حيث أمر، ولا يجوز له أن يستغل شيئًا من مال الزكاة لنفسه، أو يكتم مما جمعه قليلاً أو كثيرًا. فهذا مال عام لا يجوز الطمع فيه والأخذ منه بغير حق. وقد جاءت في ذلك أحاديث تطير القلوب من هول وعيدها، وتنذر كل طامع فيما ليس من حقه بالعذاب الشديد.
    عن عدى بن عميرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا (إبرة خيط) فما فوقه كان غلولاً (خيانة) يأتي به يوم القيامة) (إشارة إلى قوله تعالى: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) (آل عمران: 161). فقام إليه رجل أسود من الأنصار، كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله، اقبل عنى عملك. قال: (ومالك)؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: (وأنا أقول الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجيء بقليله وكثيره فما أوتى منه أخذ، وما نهى عنه انتهى). (رواه مسلم وأبو داود وغيرهما).
    وعن أبى رافع أنه كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مارًا بالبقيع (وفيه المقابر) فقال: أفًا لك، أفًا لك. قال أبو رافع: فكبر ذلك في ذرعي، فاستأخرت، وظننت أنه يريدني. قال: مالك؟ امش. فقلت: أأحدثت حدثًا؟ قال: وما لك؟ قلت: أففت بي (قلت: أفًا لك) قال: لا. ولكن هذا فلان بعثته ساعيًا على بنى فلان، فغل نمرة (كساء من صوف مخطط) فدرع على مثلها من النار). (رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه).
    وعن عبادة بن الصامت: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثه على الصدقة فقال: (يا أبا الوليد، اتق الله.. لا تأتى يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثغاء) (الرغاء: صوت البعير، والخوار: صوت البقر. والثغاء: صوت الغنم)، قال: يا رسول الله، إن ذلك لكذلك؟ قال: "إي والذي نفسي بيده". قال: فو الذي بعثك بالحق لا أعمل لك على شيء أبدًا. (رواه الطبراني في الكبير وإسناده صحيح).
    وإنما أعلن ذلك عبادة -وهو من هو في المسلمين- طلبًا لسلامة دينه، وبعدًا عن مظنة الخطر، وخشية من شرر الوعيد أن يتطاير إليه وهو لا يشعر.
    الهدايا للموظفين رشوةكما لا يجوز للموظف العامل على الزكاة أن يكتم منها شيئًا -ولو كان إبرة خيط تافهة- فلا يجوز له أن يقبل لنفسه من أرباب الأموال عطاء يعطونه إياه، فإنه رشوة، ولو أخذه باسم "الهدية"، إنه يأخذ أجرته وكفايته من الدولة، فلا يحل له أن يزيد عليها شيئًا من دافعي الزكاة، فإنه أكل لأموال الناس بالباطل، وهو ذريعة إلى التهاون مع الأغنياء على حساب الفقراء والمستحقين. وأقل ما فيه أن يعرض الأخذ للتهمة. ومن وضع نفسه مواضع التهم فلا يلومن من أساء به الظن.
    عن أبى حميد الساعدي قال: استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من الأزد يقال له "ابن اللتيبة" على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم. وهذا أهدى إلى. قال: فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: (أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله. فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت للنووي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟! والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة. فلا أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر (تصيح) ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، يقول: اللهم هل بلغت)؟ (رواه البخاري ومسلم وأبو داود) (الترغيب والترهيب للمنذري: 1/277- طبع المنيرية).
    من كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوى ( بتصرف )
    ---------------------------------------------------------
    المؤلَّفة قلوبهم
    وهم الذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام أو التثبيت عليه. أو يكف شرهم عن المسلمين، أو رجاء نفعهم في الدفاع عنهم، أو نصرهم على عدو لهم، أو نحو ذلك.
    وهذا المصرف أيضًا يدلنا بوضوح على ما أكدناه في غير موضع من أن الزكاة في الإسلام ليست إحسانًا شخصيًا. ولا عبادة مجردة موكولة إلى الأفراد. فإن هذا الصنف من مصارف الزكاة ليس مما يوكل إلى الأفراد في العادة الغالبة. وإنما هو من شأن رئيس الدولة أو من ينيبه عنه، أو أهل الحل والعقد في الأمة.
    فهؤلاء هم الذين يستطيعون إثبات الحاجة إلى تأليف القلوب أو نفيها، وتحديد صفات من يؤلفون ومدى ما يبذل لهم وفق مصلحة الإسلام وحاجة المسلمين.
    المؤلفة قلوبهم
    والمؤلفة قلوبهم أقسام ما بين كفار ومسلمين:
    ( أ ) فمنهم من يرجى بعطيته إسلامه أو إسلام قومه وعشيرته كصفوان بن أمية الذي وهب النبي -صلى الله عليه وسلم- له الأمان يوم فتح مكة. وأمهله أربعة أشهر لينظر في أمره بطلبه، وكان غائبًا فحضر وشهد مع المسلمين غزوة حنين قبل أن يسلم، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- استعار سلاحه منه لما خرج إلى حنين، وقد أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- إبلاً كثيرة محملة كانت في واد، فقال: هذا عطاء من لا يخشى الفقر.
    وروى مسلم والترمذي من طريق سعيد بن المسيب عنه قال: (والله لقد أعطاني النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) (تفسير ابن كثير: 2/365- طبع الحلبي). وقد أسلم وحسن إسلامه.
    ومن هذا القسم ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن أنس: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يسئل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، قال: فأتاه رجل فسأله، فأمر له بشاء كثيرة، بين جبلين من شاء الصدقة. قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة (نيل الأوطار: 4/166 المطبعة العثمانية المصرية- الطبعة الأولى).
    ( ب ) ومنهم من يخشى شره ويرجى بإعطائه كف شره وشر غيره معه، كما جاء عن ابن عباس أن قومًا كانوا يأتون النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن أعطاهم من الصدقات مدحوا الإسلام وقالوا: هذا دين حسن، وإن منعهم ذموا وعابوا (تفسير الطبري: 14/313).
    (جـ) ومنهم من دخل حديثًا في الإسلام، فيعطى إعانة له على الثبات على الإسلام.
    سئل الزهري عن "المؤلفة قلوبهم" فقال: من أسلم من يهودي أو نصراني. قيل: وإن كان غنيًا؟ قال: وإن كان غنيًا (المرجع نفسه ص 314، والمصنف لابن أبى شيبة: 3/223- طبع حيدر آباد).
    وكذلك قال الحسن: هم الذين يدخلون في الإسلام (المصنف المذكور، والإكليل للسيوطي ص 119).
    وذلك أن الداخل حديثًا في الإسلام قد هجر دينه القديم، وضحى بما له عند أبويه وأسرته، وكثيرًا ما يحارب من عشيرته، ويهدد في رزقه، ولا شك أن هذا الذي باع نفسه وترك دنياه لله تعالى جدير بالتشجيع والتثبيت والمعونة.
    ( د ) ومنهم قوم من سادات المسلمين وزعمائهم لهم نظراء من الكفار إذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم، واستشهدوا له بإعطاء أبى بكر -رضى الله عنه- لعدى بن حاتم والزبرقان بن بدر (تفسير المنار: 10/574 - 577- الطبعة الثانية)، مع حسن إسلامهما لمكانتهما في أقوامهما.
    (هـ) ومنهم زعماء ضعفاء الإيمان من المسلمين، مطاعون في أقوامهم، ويرجى بإعطائهم تثبيتهم، وقوة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد وغيره، كالذين أعطاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- العطايا الوافرة من غنائم هوازن، وهم بعض الطلقاء من أهل مكة الذين أسلموا، فكان منهم المنافق، ومنهم ضعيف الإيمان، وقد ثبت أكثرهم بعد ذلك وحسن إسلامهم (انظر تفسير القرطبي: 8/179 - 181).
    ( و ) ومنهم قوم من المسلمين في الثغور وحدود بلاد الأعداء، يعطون لما يرجى من دفاعهم عمن وراءهم من المسلمين إذا هاجمهم العدو.
    ( ز ) ومنهم قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجباية الزكاة ممن لا يعطيها إلا بنفوذهم وتأثيرهم إلا أن يقاتلوا، فيختار بتأليفهم وقيامهم بهذه المساعدة للحكومة أخف الضررين، وأرجح المصلحتين، وهذا سبب جزئي قاصر، فمثله ما يشبهه من المصالح العامة (انظر في هذه الأصناف المجموع: 6/196 - 198، وغاية المنتهى وشرحه: 2/141 وما بعدها).
    وكل هذه الأنواع تدخل تحت عموم لفظ "المؤلفة قلوبهم" سواء أكانوا كفارًا أم مسلمين.
    وقال الإمام الشافعي: المؤلفة قلوبهم من دخل في الإسلام، ولا يعطى من الصدقة مشرك يتألف على الإسلام، فإن قال قائل: أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- عام حنين بعض المشركين من المؤلفة، فتلك العطايا من الفيء، ومن مال النبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة. واستدل الشافعي بأن الله تعالى جعل صدقات المسلمين مردودة فيهم كما سمى، لا على من خالف دينهم (الأم: 2/61- طبع بولاق). ويشير إلى حديث معاذ وما في معناه: "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم".
    ونقل الرازي في تفسيره (الجزء السادس عشر ص 111). عن الواحدي قال: إن الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمام أن يؤلف قلوب قوم لبعض المصالح التي يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، إذ لا يجوز صرف شيء من زكوات الأموال إلى المشركين، فأما المؤلفة قلوبهم من المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات.
    وعقب الرازي قائلاً: إن قول الواحدي: "إن الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين" بناء على أنه ربما يوهم أنه عليه الصلاة والسلام دفع قسمًا من الزكاة إليهم، لكننا بينا أن هذا لم يحصل البتة، وأيضًا فليس في الآية ما يدل على كون المؤلفة مشركين، بل قال: (المؤلفة قلوبهم) .. وهذا عام في المسلم وغيره. أ هـ.
    أقول: وإذا كانت كلمة "المؤلفة قلوبهم" تشمل الكافر والمسلم، ففيها دليل على جواز تأليف الكافر وإعطائه من الزكاة. وإنما تمنع اختصاصه بذلك.
    وقد جاء عن قتادة (تفسير الطبري: 14/214). أن المؤلفة قلوبهم أناس من الأعراب ومن غيرهم كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا.
    وقد ذكرنا حديث أنس في الرجل الذي أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- من شاء الصدقة ما جعله يرجع إلى قومه قائلاً: أسلموا فإن محمدًا يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة. والظاهر أنه لم يكن مسلمًا قبل ذلك.
    ولا عجب أن يعطى كافر من صدقات المسلمين تأليفًا لقلبه على الإسلام. أو تمكينًا له في صدره، فإن هذا -كما ذكر القرطبي- ضرب من الجهاد. فالمشركون ثلاثة أصناف: صنف يرجع عن كفره بإقامة البرهان. وصنف بالقهر والسنان. وصنف بالعطاء والإحسان. والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببًا لنجاته وتخليصه من الكفر (تفسير القرطبي: 8/179).الحاجة إلى تأليف القلوب لم تنقطع:
    وأما القول بأن الحاجة إلى تأليف القلوب قد زالت بانتشار الإسلام، وغلبته، وظهوره على الأديان الأخرى فهذه الدعوى مردودة لأسباب ثلاثة:
    1- ما قاله بعض المالكية: إن العلة في إعطاء المؤلف من الزكاة ليست إعانته لنا، حتى يسقط ذلك بفشو الإسلام وغلبته، بل المقصود من دفعها إليه ترغيبه في الإسلام، لأجل إنقاذ مهجته من النار (حاشية الصاوي على بلغة السالك: 1/232).
    فهو يرى في هذا البقاء وسيلة من وسائل الدعوة، قد تجدي عند بعض الناس، وتقربهم من الإسلام وتنقذهم من الكفر، وواجب المسلمين ألا يدخروا وسيلة تعينهم على هداية البشر وإنقاذهم من ظلمات الجاهلية في الدنيا، ومن عذاب النار في الآخرة. وقد يدخل الرجل الإسلام للدنيا ثم يحسن إسلامه بعد ذلك. روى أبو يعلى عن أنس بن مالك قال: (إن كان الرجل ليأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسلم للشيء من الدنيا، لا يسلم إلا له، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها) وفى رواية: (إن كان الرجل ليسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- الشيء للدنيا فيسلم له...) (قال في "مجمع الزوائد": رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح: 3/104). الحديث بمعناه. وهذا إذا مشينا على أن المؤلف كافر يعطى ليرغب في الإسلام، وليس كل مؤلف كذلك فمن المؤلفة من يدخل في الإسلام ويترك دينه القديم، فيتعرض للاضطهاد والحرمان والمصادرة من أسرته وأهل دينه. فمثل هذا يعطى تشجيعًا وتأييدًا، حتى يتمكن من الإسلام، وترسخ قدمه فيه.
    2- إن هذه الدعوى مبنية على ما قال قوم: إن التأليف لا يكون إلا عند ضعف الإسلام وأهله، واشترط آخرون أن يكون المؤلف فقيرًا محتاجًا. وكل هذا تقييد للنصوص المطلقة بلا حجة، ومخالفة لحكمة الشرع بلا مبرر. وفى عصرنا نرى أقوى الدول هي التي تتألف الدول الصغيرة والشعوب المحدودة الطاقات، كما ترى في معونة الولايات المتحدة لدول أوروبا، وبعض دول الشرق النامية. وما أحسن ما قال الإمام الطبري في ذلك:
    "إن الله جعل الصدقة في حقيقتين:
    "إحداهما: سد خلة المسلمين، والأخرى: معونة الإسلام وتقويته.
    "فما كان في معونة الإسلام وتقوية أسبابه فإنه يعطاه الغنى والفقير، لأنه لا يعطاه بالحاجة منه إليه، وإنما يعطاه معونة للدين، وذلك كما يعطى الذي يعطاه بالجهاد في سبيل الله، فإنه يعطى ذلك غنيًا كان أو فقيرًا، للغزو لا لسد خلة، وكذلك المؤلفة قلوبهم، يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء استصلاحًا بإعطائهموه أمر الإسلام، وطلب تقويته وتأييده.
    "وقد أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- من أعطى من المؤلفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح، وفشا الإسلام وعز أهله فلا حجة لمحتج بأن يقول: لا يتألف اليوم على الإسلام أحد، لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم، وقد أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- من أعطى منهم في الحال التي وصفت" (تفسير الطبري بتحقيق شاكر: 14/316).
    3- إن الحال قد تغيرت، وأدارت الدنيا ظهرها للمسلمين فلم يعودوا سادة الدنيا كما كانوا، بل عاد الإسلام غريبًا كما بدأ، وتداعت على أهله الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وقذف في قلوبهم الوهن، ولله عاقبة الأمور. فإن كان الضعف هو العلة التي تبيح تأليف القلوب وإعطاء المؤلفة من الزكاة فقد وقع، وجاز الإعطاء كما قال ابن العربي وغيره (على أن الحنفية أنفسهم قالوا: إن مجرد التعليل بكون التأليف معللاً بقلة انتهت، لا يصلح دليلاُ على نفى الحكم المعلل، لأن الحكم لا يحتاج في بقائه إلى بقاء علته، لاستغنائه في البقاء عنها، لما علم في الرق والاضطباع والرمل، فلا بد من دليل يدل على هذا الحكم مما شرع مقيدًا بقاؤه ببقاء العلة. قالوا: لكن لا يلزمنا تعيينه في محل الإجماع، فنحكم بثبوت الدليل وإن لم يظهر لنا. (انظر رد المحتار: 2/82 - 83- طبع استانبول) وعلى كل حال لم يستطع الحنفية هنا أن يتخلصوا من ضعف موقفهم، برغم محاولاتهم الجاهدة)!.
    أين يصرف سهم المؤلفة في عصرنا؟
    وإذا كان حكم المؤلفة قلوبهم وإعطائهم من الزكاة باقيًا محكمًا لم يلحقه نسخ ولا إلغاء، فكيف نصرف هذا السهم المخصص لهم في عصرنا؟ وأين نصرفه؟.
    إن الجواب عن هذا واضح مما ذكرناه من بيان الهدف الذي قصده الشارع من وراء هذا السهم. وهو استمالة القلوب إلى الإسلام أو تثبيتها عليه، أو تقوية الضعفاء فيه، أو كسب أنصار له، أو كف شر عن دعوته ودولته. وقد يكون ذلك بإعطاء مساعدات لبعض الحكومات غير المسلمة لتقف في صف المسلمين، أو معونة بعض الهيئات والجمعيات والقبائل ترغيبًا لها في الإسلام أو مساندة أهله، أو شراء بعض الأقلام والألسنة للدفاع عن الإسلام وقضايا أمته ضد المفترين عليه.
    كما أن الذين يدخلون في دين الله أفواجًا كل عام لا يجدون من حكومات البلاد الإسلامية أي معاونة أو تشجيع. والواجب أن يعطوا من هذا السهم ما يشد أزرهم ويسند ظهرهم. كما جاء عن الإمام الزهري والحسن البصري..
    إن الإسلام بما فيه من وضوح وأصالة وملاءمة للفطرة السليمة والعقل الرشيد، ينشر نفسه بنفسه، في كثير من الأقطار. ولكن الذين يعتنقون الإسلام لا يجدون من الرعاية المادية والتوجيهية ما يمكنهم من التبصر في هذا الدين والانتفاع بهداه، ويعوضهم عن بعض ما قدموه من تضحيات، وما لقوه من اضطهاد من عشائرهم أو حكوماتهم.
    لقد كان الإسلام في موقف الهجوم فأصبح اليوم في موقف الدفاع، فهو ينتقص من أطرافه ويغزى في عقر داره.
    جواز التأليف من غير مال الزكاة
    وبعد هذا كله فلسنا نحتم أن يكون كل ما يرصد لتأليف القلوب من الزكاة وحدها، فإن في موارد بيت المال الأخرى متسعًا للإسهام في هذا الشأن مع الزكاة أو الاستقلال به. وخاصة إذا كان المستحقون للزكاة من الأصناف الأخرى أشد حاجة وأوفر عددًا، فهنا يعمل بما جاء عن الشافعي وغيره، وهو إعطاء المؤلفة من سهم المصالح، ومرد ذلك إلى رأى ولى الأمر العادل، وتقدير أهل الرأي، ومشورة أهل الشورى في الأمة.من كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوى ( بتصرف )
    ----------------------------------------------------------------------------------
    في الرقاب
    الرقاب: جمع رقبة، والمراد بها في القرآن: العبد أو الأمة، وهى تذكر في معرض التحرير أو الفك، كأن القرآن الكريم يشير بهذه العبارة المجازية إلى أن الرق للإنسان كالغل في العنق، والنير في الرقبة، وتحرير العبد من الرق هو فك لرقبته من غلها، وتخليص لها من النير الذي ترزح تحته.
    وفى آية المصارف قال تعالى: (وفى الرقاب) .. ومعناها: وتصرف الصدقات في فك الرقاب، وهو كناية عن تحرير العبيد والإماء من نير الرق والعبودية. ويكون ذلك بطريقتين:
    1- أن يُعان المكاتب، وهو العبد الذي كاتبه سيده واتفق معه على أن يقدم له مبلغًا معينًا من المال يسعى في تحصيله، فإذا أداه إليه حصل على عتقه وحريته. وقد أمر الله المسلمين أن يكاتبوا من رقيقهم كل من أراد ذلك وعلموا فيه خيرًا -كما أمرهم بمساعدتهم على وفاء ما التزموا به: المالكون ييسرون عليهم ويحطون عنهم، وسائر المجتمع يعاونونهم بالمال على الخلاص من الرق. وفى هذا يقول الله تعالى: (والذين يبتغون الكتاب (أي المكاتبة). مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (النور: 33).
    ثم فرض لهم في مال الزكاة سهمًا يعطون منه ما يعينهم على تحرير رقابهم بأداء ما التزموا به.
    وإلى هذه الطريقة في فك الرقاب ذهب أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والليث بن سعد.
    واحتجوا بما روى عن ابن عباس أنه قال: قوله: (وفى الرقاب) .. يريد المكاتب. وتأكد هذا بقوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (انظر التفسير الكبير للفخر الرازي: 16/112 وانظر الهداية وفتح القدير: 2/17).
    2- أن يشترى الرجل من زكاة ماله عبدًا أو أمة فيعتقها أو يشترك هو وآخرون في شرائها وعتقها أو يشترى ولى الأمر مما يجبيه من مال الزكاة عبيدًا وإماء فيعتقهم. وهذا هو المشهور عن مالك، وأحمد وإسحاق. وقال ابن العربي. إن ذلك هو الصحيح، وأيده بأنه هو ظاهر القرآن، فإن الله حيث ذكر الرقبة في كتابه إنما هو العتق، ولو أراد المكاتبين لذكرهم باسمهم الأخص.. فلما عدل إلى الرقبة دل على أنه أراد العتق. وتحقيقه أن المكاتب قد دخل في جملة الغارمين بما عليه من دين الكتابة، فلا يدخل في الرقاب، وربما دخل فيه المكاتب بالعموم، ولكن في آخر نجم يعتق به (أحكام القرآن: 2/955).
    والحق أن عبارة الآية تشمل الأمرين جميعًا: معونة المكاتبين وعتق الرقاب.
    وقد جاء عن إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير من التابعين أنهما كرها شراء الرقاب وعتقها من الزكاة، لأن ذلك يجر إلى المزكي منفعة وهى ولاء المعتق وميراثه إن لم يكن له وارث، كما تقرر أحكام الإسلام. ومن هنا جاء عن مالك: أن الرقبة التي يعتقها من زكاة ماله يكون ولاؤها وميراثها لجميع المسلمين، يعنى لبيت المال (الأموال ص 608، 609).
    ولكن روى أبو عبيدة عن ابن عباس أنه لم ير بأسًا أن يعتق المسلم رقبة من زكاة ماله. وقال بعد ذكر قول النخعي وابن جبير: وقول ابن عباس أعلى ما جاءنا في هذا الباب، وهو أولى بالاتباع، وأعلم بالتأويل، وقد وافقه الحسن على ذلك. وعليه كثير من أهل العلم (المصدر السابق).
    قال: ومما يقوى هذا المذهب أن المعتق وإن خيف عليه أن يصير إليه ميراث عتيقه بالولاء، فإنه لا يؤمن أن يجنى جنايات يلحقه وقومه عقلها (أي دينها) فيكون أحدهما بالآخر (نفس المصدر).
    وهذا كله إذا تولى الشخص توزيع الزكاة بنفسه أو وكيله. أما إذا تولاها الحاكم المسلم- كما هو شأن الزكاة في الإسلام- فلا وجه لهذا الخلاف.. وله أن يشترى ويعتقمن الرقيق ما يتسع له مال الزكاة- بدون جور على المصارف الأخرى. (والإمام الشافعي يوجب تسوية الأصناف المستحقين للزكاة فلا يقل نصيب "في الرقاب" عن الثمن) والأولى لولى الأمر أن يجمع بين الأمرين فيعين المكاتبين ويشترى العبيد والإماء. وهذا ما كتبه الإمام الزهري للخليفة عمر بن عبد العزيز قال: سهم الرقاب نصفان: نصف للمكاتبين من المسلمين ونصف يشترى به رقاب ممن صلوا وصاموا وقدم إسلامهم، فيعتقون من الزكاة (المصدر السابق).
    ولكنا لا نقيد الحاكم في ذلك بنصف ولا نسبة، بل حسب ما تقتضيه المصلحة ويشير به أهل الحل والعقد.
    سبق الإسلام بتصفية نظام الرقيق
    وإذا كان رق الأفراد قد انتهى تقريبًا من العالم، فإنه يحق لنا بل يجب علينا أن نسجل هنا أن الإسلام هو أول نظام في الدنيا عمل بكل الوسائل على تصفية الرق، وإلغائه من دنيا الناس بالتدريج.
    لقد سد الأبواب الكثيرة الواسعة التي كانت مداخل للرق في العالم فحرم أشد التحريم الاستعباد عن طريق اختطاف الأحرار، كبارًا أو صغارًا، ولم يبح بحال أن يبيع الإنسان نفسه، أو ولده أو زوجته، ولم يشرع أبدًا أخذ المدين رقيقًا في دينه إذا عجز عن الوفاء به، ولا أخذ المجرم رقيقًا بجريمته، كما عرف ذلك في شرائع سابقة. ولا استرقاق الأسير في الغارات الظالمة التي تشنها القبائل والأمم بعضها على بعض بغيًا وعدوانًا (انظر: كتاب حقوق الإنسان في الإسلام -للدكتور على عبد الواحد وافى ص 139 - 161- طبع وزارة الأوقاف بالقاهرة).ولم يستثن من الأسباب التي عرفها العالم مفضية إلى الرق إلا سببًا واحدًا ضيق فيه كل التضييق، وأبقاه على سبيل الجواز والاختيار لا سبيل الحتم والإلزام. ذلك هو استرقاق الأسير في حرب إسلامية شرعية لم يبدأ المسلم فيها بعدوان. وذلك إذا رأى إمام المسلمين وأهل شوراه في ذلك مصلحة للأمة والملة، وذلك كما إذا كان العدو يسترق أسرى المسلمين، فإن المعاملة بالمثل تقتضيها المصلحة. وللإمام العادل أن يطلق سراح الأسرى بغير مقابل، أو بمقابل مادي أو معنوي، أو إطلاق أسرى من المسلمين مقابل أسرى المشركين. وهذا ما نص عليه القرآن في صراحة في أسرى المحاربين من أهل الكفر: (حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منًا بعد وإما فداءً) (محمد: 4).
    وإذا كان الإسلام قد أبقى -على سبيل الجواز- بابًا ضيقًا للرق فقد فتح أبوابًا واسعة للتحرير والعتق، ومن فضل الإسلام أنه استحدث العتق ولم يستحدث الرق.
    دعا الإسلام إلى العتق ورغب فيه وجعله من أحب القربات إلى الله، وزاد على ذلك فجعله كفارة لكثير من الأخطاء التي يتورط فيها المسلم بحكم بشريته. كالحنث في اليمين، ومظاهرة الزوج لزوجته، وجماع الصائم في نهار رمضان، والقتل خطأ، بل جعل كفارة السيد إذا ضرب عبده بغير حق أن يعتقه.
    ثم أمر السادة بمكاتبة عبيدهم إذا علموا فيهم خيرًا، وذلك يكون بتمكينهم من الكسب الحر، ومعونة المجتمع الإسلامي لهم. كما قال تعالى في محكم القرآن: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانهم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (النور: 33). ثم زاد على ذلك كله فجعل للعتق والتحرير سهمًا من أموال الزكاة، وهى الضريبة التي يشترك جمهور المسلمين الأعظم في أدائها. وهى المورد الدائم لبيت المال الإسلامي. وذلك هو سهم "في الرقاب" (وهذا كله غير ما صنعه الإسلام من رفع المستوى الأدبي والمادي للرقيق وجعله إنسانًا محترمًا بل أخًا لمن جعله الله تحت يده: يأكل مما يطعم ويلبس مما يلبس، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق، ولا يضرب ولا يؤذى، بل لا يجرح شعوره بكلمة "عبدي" أو "أمتي").
    وليس من الهين أن يخصص الإسلام من هذا المورد الدوري الهائل جزءًا لتحرير الرقيق، قد يكون ثمن حصيلة الزكاة، وقد يكون أكثر، بل قد يكون الحصيلة كلها إذا استغنت الأصناف الأخرى كما حدث في عهد عمر بن عبد العزيز.
    قال يحيى بن سعيد: (بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فاقتضيتها وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد فقيرًا، ولم نجد من يأخذها منا. فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس. فاشتريت بها رقابًا فأعتقتهم) (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ص 59).
    ولو أن المسلمين أحسنوا تطبيق إسلامهم، وتهيأ لهم الحكم العادل الراشد فترات طويلة، لانمحى الرق من ديارهم بعد وقت يسير.
    هل يفك الأسير المسلم من سهم الرقاب؟
    وإذا كانت كلمة "الرقاب" عند إطلاقها تنصرف إلى العبيد، فهل يصح أن تشمل بعمومها رقبة الأسير المسلم الذي يتحكم فيه الأعداء الكفرة تحكم السيد في الرقيق، وهو في أسره معرض للاسترقاق أيضًا؟.
    والمروى في مذهب الإمام أحمد أن ذلك جائز فيصح أن يفك من الزكاة الأسير المسلم: لأن فيه فك رقبة من الأسر (الروض المربع: 1/402).وقال القاضي ابن العربي المالكي: اختلف العلماء في فك الأسارى منها، فقد قال أصبغ: لا يجوز ذلك، وقال ابن حبيب: يجوز ذلك. وإذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزًا من الصدقة، فأولى وأحرى أن يكون ذلك في فكه عن رق الكافر وذله (أحكام القرآن: 2/956). فإذا كان الرق قد ألغى، فإن الحروب لا زالت قائمة، والصراع بين الحق والباطل لم يزل مستمرًا. وبذلك يظل في هذا السهم متسع لفداء الأسارى من المسلمين.
    هل تساعد الشعوب المستعمرة على التحرر من سهم "الرقاب"؟
    ذكر السيد رشيد رضا في تفسير "المنار" أن لسهم "في الرقاب" مصرفًا في تحرير الشعوب المستعمرة من الاستعباد إذا لم يكن له مصرف تحرير الأفراد (تفسير المنار: 10/598- الطبعة الثانية). وأكد ذلك الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت فقال، بعد أن تحدث عن انقراض رق الأفراد: "ولكن -فيما أرى- قد حل محله الآن رق هو أشد خطرًا منه على الإنسانية. ذلكم هو استرقاق الشعوب في أفكارها وفى أموالها وسلطانها وحريتها في بلادها. كان ذلك رق أفراد يموت بموتهم وتبقى دولهم حرة رشيدة، لها من الأمر والأهلية ما لسائر الأحرار الراشدين. ولكن هذا رق شعوب وأمم، تلد شعوبًا وأممًا هم في الرق كآبائهم فهو رق عام دائم، يفرض على الأمة بقوة ظالمة غاشمة !! وإذن فما أجدر هذا الرق بالمكافحة والعمل على التخلص منه، ورفع ذله عن الشعوب، لا بمال الصدقات فقط، بل بكل الأموال والأرواح.
    "وبذلك نعرف مقدار مسئولية أغنياء المسلمين عن معونة الشعوب الإسلامية" (الإسلام عقيدة وشريعة ص446- طبع. دار القلم).من كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوى ( بتصرف )
    ------------------------------------------------------الغارمين
    المصرف السادس من مصارف الزكاة، كما حددتها الآية الكريمة: "الغارمون ؟
    من هم الغارمون؟
    الغارمون: جمع غارم. والغارم: هو الذي عليه دين (ذكر ابن الهمام في الفتح: أن الغارم من لزمه دين، أو له دين على الناس لا يقدر على أخذه، وليس عنده نصاب. وفى هذا الكلام نظر؛ لأن الغارم في اللغة: من عليه الدين، ولعله اشتبه عليه الغارم بالغريم الذي يطلق على الدائن والمدين، وسبحان من لا يسهو. وأما الصورة التي ذكرها في الفتح وهى من له دين على الناس.. إلخ. فإنما جاز الدفع إليه، لأنه فقير يدًا كابن السبيل، لا لأنه غارم. (انظر: حاشية رد المحتار: 2/63). أما الغريم فهو الدائن، وقد يطلق على المدين. وأصل الغرم في اللغة: اللزوم، ومنه قوله تعالى في جهنم: (إن عذابها كان غرامًا) (الفرقان: 65). ومنه سمى الغارم، لأن الدين قد لزمه، والغريم لملازمته المدين.
    والغارم في مذهب أبى حنيفة: من عليه دين، ولا يملك نصابًا فاضلاً عن دينه (انظر: البحر الرائق: 2/260، والدر والمختار وحاشيته رد المحتار: 2/63). وعند مالك والشافعي وأحمد: الغارمون نوعان: غارم لمصلحة نفسه، وغارم لمصلحة المجتمع، ولكل منهما حكمه.
    الغارمون لمصلحة أنفسهم
    النوع الأول: غارم استدان في مصلحة نفسه، كأن يستدين في نفقة، كسوة، أو زواج، أو علاج مرض، أو بناء مسكن، أو شراء أثاث، أو تزويج ولد، أو أتلف شيئًا على غيره خطأ أو سهوًا أو نحو ذلك.
    روى الطبري عن أبى جعفر -ونحوه عن قتادة-: الغارم: المستدين في غير سرف، ولكي للإمام أن يقضى عنهم من بيت المال (تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر: 14/338).
    أصحاب الكوارث من هذا الصنف:
    وأخص من ينطبق عليه هذا الوصف أولئك الذين فاجأتهم كوارث الحياة، ونزلت بهم جوائح اجتاحت مالهم، واضطرتهم الحاجة إلى الاستدانة لأنفسهم وأهليهم، فعن مجاهد قال: "ثلاثة من الغارمين: رجل ذهب السيل بماله، ورجل أصابه حريق فذهب بماله، ورجل له عيال وليس له مال، فهو يدان وينفق على عياله" (مصنف ابن أبى شيبة: 3/207- طبع حيدر آباد. وانظر الطبري: المصدر السابق).
    وفى حديث قبيصة بن المخارق -الذي رواه أحمد ومسلم- أباح النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن أصابته جائحة اجتاحت ماله، أن يسأل ولى الأمر حقه من الزكاة، حتى يصيب قوامًا من عيش. وسنذكره بتمامه في النوع الثاني من الغارمين.
    والزكاة بهذا تقوم بنوع من التأمين الاجتماعي ضد الكوارث، ومفاجآت الحياة، سبق كل ما عرفه العالم -بعد- من أنواع التأمين.
    غير أن التأمين الذي حققه الإسلام لأبنائه بنظام الزكاة أسمى وأكمل وأشمل من التأمين الذي عرفه الغرب في العصر الحديث بمراحل ومراحل. فالتأمين -على الطريقة الغربية- لا يعوض إلا من اشترك بالفعل في دفع أقساط محددة لشركة التأمين. وعند إعطاء التعويض يعطى الشخص المنكوب على أساس المبلغ الذي أمن به، لا على أساس خسائره وحاجاته. فمن كان قد أمن بمبلغ أكبر، أعطى تعويضًا أكثر، ومن كان مبلغه أقل كان نصيبه أقل، مهما عظمت مصيبته وكثرت حاجاته. وذوو الدخل المحدود يؤمنون عادة بمبالغ أقل، فيكون حظهم -إذا أصابتهم الكوارث- أدنى. وذلك أن أساس نظام التأمين الغربي التجارة والكسب من وراء الأشخاص المؤمن لهم.
    أما التأمين الإسلامي، فلا يقوم على اشتراط دفع أقساط سابقة، ولا يعطى المصاب بالجائحة إلا على أساس حاجته، وبمقدار ما يعوض خسارته، ويفرج ضائقته.
    شروط إعطاء الغارم لنفسه:
    فهذا النوع يعطى ما يقضى به دينه بشروط:
    أولها: أن يكون في حاجة إلى ما يقضى به الدين، فلو كان غنيًا قادرًا على سداده بنقود أو عروض عنده لم يعط من الزكاة (وفى قول للشافعي: أنه يعطى مع الغنى، لأنه غارم. فأشبه الغارم لذات البين. وانظر: المجموع: 6/207. ونهاية المحتاج: 6/155). ولو وجد ما يقضى به بعض الدين أعطى بقدر ما يقضى به الباقي فقط. ولو لم يملك شيئًا وقدر على قضائه بالعمل والكسب أعطى أيضًا، لأنه لا يمكنه قضاؤه إلا بعد زمن وقد يعرض ما يمنعه من قضائه، وهذا بخلاف الفقير فإنه يحصل على حاجته بالكسب في الحال.
    واشتراط حاجة المستدين إلى ما يقضى به الدين، ليس معناها أن يكون صفر اليدين لا يملك شيئًا.
    فقد صرح العلماء بأنه لا يعتبر المسكن والملبس والفراش والآنية، وكذا الخادم والمركوب -إن اقتضاهما حاله- بل يقضى دينه وإن ملكها.
    ولو كان للمستدين مال لو قضى منه دينه لنقص ماله عن كفايته، ترك له ما يكفيه، وأعطى ما يقضى به الباقي. والمراد بالكفاية عند الشافعية: الكفاية السابقة، وهى كفاية العمر الغالب فيما يظهر، ثم إن فضل معه شيء صرفه في دينه وتمم له باقيه.
    الشرط الثاني: أن يكون قد استدان في طاعة أو أمر مباح. أما لو استدان في معصية كخمر وزنًا وقمار ومجون، وغير ذلك من ألوان المحرمات فلا يعطى، ومثل ذلك إذا أسرف في الإنفاق على نفسه وأهله ولو في الملاذ المباحة، فإن الإسراف في المباحات إلى حد الاستدانة حرام على المسلم. قال تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين) (الأعراف: 31).
    وإنما لم يعط الغارم في المعصية، لأن في إعطائه إعانة له على معصية الله، وإغراء لغيره بمتابعته في عصيانه. وهو متمكن من الأخذ بالتوبة. فإذا تاب أعطى من الزكاة، لأن التوبة تجب ما قبلها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
    واشترط بعض الفقهاء: أن تمضى عليه مدة بعد إعلان توبته يظهر فيها صلاح حاله واستقامة أمره.
    وقال آخرون: يكفى أن يغلب على الظن صدقه في توبته، فيعطى وإن قصرت المدة.
    الشرط الثالث: أن يكون الدين حالاً. فإن كان مؤجلاً فقد اختلف فيه: قيل: يعطى، لأنه يسمى غارمًا. فيدخل في عموم النص. وقيل: لا يعطى، لأنه غير محتاج إليه الآن.
    وقيل: إن كان الأجل يحل تلك السنة أعطى، وإلا فلا يعطى من صدقات تلك السنة (انظر في هذه الشروط: المجموع: 6/207 - 209، ونهاية المحتاج: 6/154، 155، وشرح الخرشي على خليل: 2/218).
    والمختار عندي: ألا يعمل بأحد هذه الأقوال حتى ينظر في حصيلة الزكاة، وعدد المستحقين لها من سائر الأصناف، ومقادير حاجاتهم. فإن كانت الحصيلة كبيرة، وكان عدد أصناف المستحقين قليلاً، أخذ بالقول الأول، وأعطى من الزكاة من كان دينه حالاً أو مؤجلاً. وإن كان الأمر بالعكس عمل بالقول الثاني، وأوثرت الأصناف الأخرى على من كان دينه مؤجلاً. وإن كان الأمر وسطًا أخذ بالقول الثالث. والله أعلم.
    وإن كان الفرد هو الذي يعطى الزكاة ويفرقها بنفسه، فينبغي أن يؤثر الأحوج فالأحوج.
    الشرط الرابع: أن يكون شأن الدين مما يحبس فيه، فيدخل فيه دين الولد على والده، والدين على المعسر. ويخرج دين الكفارات والزكاة، لأن الدين الذي يحبس فيه ما كان لآدمي، وأما الكفارات والزكوات فهي لله (انظر حاشية الصاوي: 1/233).
    هذا ما ذكره المالكية. ولم يشترط كل الفقهاء هذا الشرط. والحنفية يعتبرون الزكاة من الديون التي لها مطالب من جهة العباد، وهو الإمام.
    كم يعطى الغارم لمصلحة نفسه؟
    يعطى الغارم لمصلحته قدر حاجته، وحاجته هنا: هي قضاء دينه، فإن أعطى شيئًا فلم يقض الدين منه، بل برأه منه الدائن، أو قضاه عنه غيره، أو قضاه هو من غير مال الزكاة. فالصحيح أنه يسترجع منه، لاستغنائه عنه (المجموع: 6/209). وسواء أكان الدين قليلاً أم كثيرًا، فإن المطلوب سداده عنه، وتفريغ ذمته منه.
    روعة الإسلام في موقفه من الغارمين
    وموقف الإسلام من الغارمين والمستدينين بصفة عامة موقف فريد رائع:
    ( أ ) إنه أولاً يعلم أبناءه الاعتدال والاقتصاد في حياتهم حتى لا يلجأوا إلى الاستدانة.
    ( ب ) فإذا اضطرت المسلم ظروف الحياة إلى الاستدانة كان عليه أن يعقد العزم على التعجيل بالوفاء والأداء فيكسب بذلك معونة الله وتأييده فيما نوى: (من أخذ أموال الناس وهو يريد أداءها أدى عنه الله، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) (البخاري وأحمد وابن ماجه عن أبى هريرة (كنز العمال: 6/114).
    (جـ) فإذا عجز عن أداء الدين كله أو بعضه مع دلائل تصميمه على الوفاء فإن الدولة تتدخل لإنقاذه من نير الدين الذي يقصم الظهور. ويذل أعناق الرجال. ولهذا قيل: "الدين هم بالليل ومذلة بالنهار" وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يستعيذ منه ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء) (قال الحافظ في بلوغ المرام ص 313: رواه النسائي وصححه الحاكم عن عبد الله بن عمر مرفوعًا).
    وليس الدين خطرًا على نفسية المستدين واطمئنانه فحسب، بل هو خطر على أخلاقه وسلوكه كذلك. وهذا ما نبه عليه الحديث النبوي الكريم الذي رواه البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان كثيرًا ما يستعيذ بالله من المغرم -الاستدانة- فسألوه عن سر ذلك ولماذا يكثر من الاستعاذة من ذلك، ويقرنه بالاستعاذة من عذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، فقال لهم: (إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف) (رواه البخاري في كتاب الاستقراض: باب من استعاذ من الدين).
    وهى لفتة نبوية صادقة إلى أثر الحالة الاقتصادية في الأخلاق والسلوك، وهو ما لا ننكره، وإنما ننكر على القائلين به جعلهم الاقتصاد هو العامل الوحيد، والمؤثر الفذ في سلوك الإنسان.
    وكان من الوسائل التي اتخذها النبي -صلى الله عليه وسلم- في تنفير أصحابه من الدين أنه لم يكن يصلى على من مات من أصحابه وعليه دين لم يترك وفاءه، وفى هذا زجر شديد لأصحابه عن الاستدانة، فإن كل واحد منهم يحرص كل الحرص على صلاة النبي عليه، ودعائه له، ويعد الحرمان من ذلك عقوبة كبيرة، وخسارة عظيمة.ثم لما أفاء الله عليه، وفتح له، وكثرت موارد بيت المال، صار يتولى بنفسه سداد ديون المسلمين، وقد حدث بذلك أبو هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: (هل ترك لدينه من قضاء)؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا قال: (صلوا على صاحبكم) فلما فتح الله عليه الفتوح قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين فعلى قضاؤه) (متفق عليه. بلوغ المرام ص 180، وانظر: كنز العمال: جـ 6 باب: الترهيبمن الاستقراض من غير ضرورة -ص 118- 122).
    ومن ذلك ترغيب المسلمين في معاونة الغارمين، قضاء لحق الإخوة، وأداءً لواجب التعاون، وابتغاء مثوبة الله. فعن أبى سعيد الخدري -رضى الله عنه- قال: أصيب رجل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ثمار ابتاعها فكثر دينه فأفلس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تصدقوا عليه).. فتصدق الناس عليه ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لغرمائه: (خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك) (بلوغ المرام ص 177 باب: التفليس و الحجر).
    ومن ذلك السهم الذي جعله القرآن في أموال الزكاة لسداد هذه المغارم عن المدينين: (فريضة من الله).
    ذلك هو تشريع الإسلام وطريقه. إنه يعين المستدين على التحرر من ربقة الدين، وينتشله من وهدته، ولا يتركه يسقط فريسة الديون ويعلن إفلاسه.
    وما عرفنا إلى اليوم شريعة غير الإسلام تنص في صلب دستورها على سداد الديون عن المدينين، وتجعل ذلك فريضة من الله.
    إن الإسلام بسداده هذه الديون العادلة عن أصحابها من مال الزكاة. قد حقق هدفين كبيرين:
    الأول: يتعلق بالمدين الذي أثقله الدين، وركبه من أجله هم الليل وذل النهار وأصبح معرضًا بسببه للمطالبة والمقاضاة والحبس وغير ذلك. فالإسلام يسدد دينه ويكفيه ما أهمه.
    الثاني: يتعلق بالدائن الذي أقرض صاحب الدين، وأعانه على مصلحته المشروعة، فالإسلام حين يساعد على الوفاء بدينه، يشجع أبناء المجتمع على أخلاق المروءة والتعاون والقرض الحسن. وبهذا تسهم الزكاة من هذا الجانب في محاربة الربا.
    وهكذا تأخذ شريعة الإسلام بيد الغارم المجهود ولا تكلفه بيع حوائجه الأصلية ليسدد ما عليه، ويعيش فارغًا من المقومات الأساسية للحياة، محرومًا من كل أثاث ومتاع يليق بمثله. كلا، فقد كتب عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى ولاته: أن اقضوا عن الغارمين، فكتب إليه من يقول: إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث -أي وهو مع ذلك غارم- فكتب عمر إنه لا بد للمرء المسلم من مسكن يكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته. نعم.. فاقضوا عنه فإنه غارم (الأموال ص 556).
    هذا ما جاءت به شريعة الله، شريعة العدل والرحمة منذ أربعة عشر قرنًا. فأين من هذا ما جاءت به القوانين الوضعية، قوانين الحضارة والمدنية الحديثة من اضطرار التجار المدينين إلى إعلان إفلاسهم، وتصفية تجارتهم، وخراب بيوتهم، دون أن تقدم لهم الدولة أو المجتمع عونًا؟!.
    ثم أين من هذا الموقف -موقف شريعة الله العادلة الرحيمة- ما جاء به القانون الروماني في بعض أدواره، حيث أباح للدائن أن يسترق المدين؟!! جاء في القانون الروماني المسمى "قانون الألواح الاثني عشر": "أن المدين إذا عجز عن دفع ديونه، يحكم عليه بالرق إن كان حرًا، ويحكم عليه بالحبس أو بالقتل إذا كان رقيقًا" !! (نقل ذلك مؤلف كتاب روح الدين الإسلامي ص 328).
    ومثل ذلك ما كان معروفًا في المجتمع العربي في الجاهلية، من بيع من أعسر في الدين، لحساب الدائن. وروى بعضهم أن ذلك قد استمر فترة في أول الإسلام، ثم نسخ، ولم يعد للدائن سبيل إلى رقبة المدين (انظر تفسير القرطبي: 3/271). قال تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم، إن كنتم تعملون) (البقرة: 280).
    النوع الثاني - الغارم لمصلحة الغير
    والنوع الثاني من الغارمين فئة من أصحاب المروءة والمكرمات، والهمم العالية، عرفها المجتمع العربي والإسلامي، وهم الذين يغرمون لإصلاح ذات البين، وذلك بأن يقع بين جماعة عظيمة -كقبيلتين أو أهل قريتين- تشاجر في دماء وأموال، ويحدث بسببها الشحناء والعداوة، فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمته مالاً عوضًا عما بينهم، ليطفئ الثائرة، فهذا قد أتى معروفًا عظيمًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة. لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين، أو يوهن عزائمهم، فجاء الشرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيبًا من الصدقة (الروض المربع: 1/4302). ومن الجميل أن يصرح علماؤنا: أن الغارم لإصلاح ذات البين يعطى من الزكاة لسداد غريمه ولو كان هذا الإصلاح بين جماعتين من أهل الذمة (انظر: مطالب أولى النهى: 2/143).
    ومثل هؤلاء المصلحين بين الناس كل من يقوم من أهل الخير في عمل مشروع اجتماعي نافع كمؤسسة للأيتام، أو مستشفى لعلاج الفقراء، أو مسجد لإقامة الصلاة، أو مدرسة لتعليم المسلمين، أو ما شابه ذلك من أعمال البر والخدمة الاجتماعية، فإنه قد خدم في سبيل خير عام للجماعة، فمن حقه أن يساعد من المال العام لها. وليس في الشرع دليل يقصر الغارمين على من غرموا لإصلاح ذات البين دون غيرهم، فلو لم يدخل أولئك في لفظ "الغارمين". لوجب أن يأخذوا حكمهم بالقياس (انظر: تفسير القرطبي: 3/271).
    ومعنى هذا أن يعطى من استدان من أجل هذه الخدمات الاجتماعية النافعة من مال الزكاة ما يسد به دينه وإن كان غنيًا، كما نص على ذلك بعض الشافعية (ذهب بعض الشافعية إلى أن من استدان لعمارة أو فك أسير أو قرى ضيف ونحوه يعطى مع الغنى إذا كان غناه بملك العقار لا بالنقد. (انظر الروضة للنووي: 2/319)، وقال الرملي: على أنه لو قيل: لا أثر لغناه بالنقد أيضًا، حملاً على هذه المكرمة العام نفعها لم يكن بعيدًا (انظر نهاية المحتاج: 6/155).
    وإذا كان النوع الأول قد استدانوا لمصلحة أنفسهم وأعينوا عليها، فهؤلاء قد استدانوا لمصلحة المجتمع وهم أولى بالمعونة، وإذا كان الأولون لا يعطون إلا مع الحاجة، فهؤلاء يعطون ولو مع الغنى (وهذا إن لم يكونوا قد دفعوا من مالهم فعلاً، لأنهم حينئذ لا يكونون مستدينين كما قال العلماء).
    وقد ذكرنا في مصرف العاملين عليه حديث: (لا تحل الصدقة إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله عز وجل، أو لعامل عليها، أو لغارم).. الحديث.
    وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها). ثم قال: (يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك -أي يكف عن السؤال- ورجل أصابته جائحة (كارثة) اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش -أو قال: سدادًا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش- أو قال سدادًا من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتًا) (رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود (نيل الأوطار: 4/168- طبع العثمانية).
    والحمالة -بفتح الحاء- ما يتحمله الإنسان ويلتزمه في ذمته ليدفعه في إصلاح ذات البين، والسداد -بكسر السين- ما تسد به الحاجة والخلل، والقوام ما تقوم به حاجة ويستغني به (المصدر السابق).
    وقوله فيمن تحمل حمالة: "فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك" دليل على أنه غنى؛ لأن الفقير ليس عليه أن يمسك حتى يصيب قوامًا من عيش (انظر: تفسير القرطبي: 8/184).
    "وإنها لروعة من الإسلام أن يمد بالمال كل غارم لإصلاح ذات البين وإقرار السلام والوئام.. وروعة منه أن يمد بالمال والمعونة أصحاب الكوارث والجوائح ويأخذ بيدهم لينهضوا، قبل أن تعرف الدنيا بقرون نظام التأمين على الأشياء والممتلكات ضد الحوادث والأخطار.. وروعة منه أن يفتح ذراعيه بالمعونة للفقير الذي يشهد ثلاثة من ذوى الحجا من قومه أنه قد أصابته فاقة، لا لكل من يظهر الفاقة، ويدعى المسكنة.
    وروعة ثم روعة أن يجعل الغاية من إعطاء هذا وذاك أن يصيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش، أي ما يقوم بمعيشته ويسد خلته، لا مجرد لقيمات يقيم بها صلبه" (من كتاب "العبادة في الإسلام" للمؤلف ص 221، 222- الطبعة الأولى).
    قضاء دين الميت من الزكاة
    بقى هنا سؤال: هل يجوز أن يقضى دين الميت من الزكاة كما يقضى دين الحي؟؟.
    ذكر الإمام النووي في ذلك وجهين في مذهب الشافعي: أحدهما: لا يجوز قال: وهو قول الصيمري ومذهب النخعي وأبى حنيفة وأحمد.
    والثاني: يجوز، لعموم الآية ولأنه يصح التبرع بقضاء دينه كالحي وبه قال أبو ثور (المجموع للنووي: 6/211).
    وكذلك روى عن أحمد أنه لا يجوز دفع الزكاة في قضاء دين الميت، لأن الغارم هو الميت، ولا يمكن الدفع إليه. وإن دفعها إلى غريمه وهو الدائن صار الدفع إلى الغريم لا إلى الغارم (المغنى: 2/667).
    والقول الثاني: يجوز، لعموم الآية، وهى تشمل كل غارم، حيًا كان أو ميتًا، ولأنه يصح التبرع بقضاء دينه كالحي، وبه قال مالك وأبو ثور (المجموع: 6/211).
    قال الخرشي في شرحه على متن خليل: ولا فرق في المدين بين كونه حيًا أو ميتًا، فيأخذ منها السلطان ليقضى بها دين الميت. بل قال بعضهم: دين الميت أحق من دين الحي في أخذه من الزكاة. أي لأنه لا يرجى قضاؤه بخلاف الحي (انظر شرح الخرشي وحاشية العدوى عليه: 2/218).
    وقال القرطبي (تفسير القرطبي: 8/185): "قال علماؤنا وغيرهم: يقضى منها دين الميت، لأنه من "الغارمين" قال -صلى الله عليه وسلم-: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه؛ من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا (الضياع- بفتح الضاد- العيال، وأصله مصدر ضاع، والمعنى: ترك صغارًا ضائعين لفقرهم. فإلي وعلي) (متفق عليه)، وهو مذهب الجعفرية أيضًا (انظر فقه الإمام جعفر: 2/91 - 92).
    والذي نرجحه: أن نصوص الشريعة وروحها لا تمنع قضاء دين الميت من الزكاة؛ لأن الله تعالى جعل مصارف الزكاة نوعين: نوع عبر عن استحقاقهم باللام التي تفيد التمليك وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم (وهؤلاء هم الذين يملكون) ونوع عبر عنه بـ "في" وهم بقية الأصناف: (في الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل) .. فكأنه قال: الصدقات في الغارمين ولم يقل: للغارمين.. فالغارم على هذا لا يشترط تمليكه وعلى هذا يجوز الوفاء عنه، وهذا ما اختاره وأفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية (انظر فتاوى ابن تيمية: 1/299). ويؤيد هذا حديث: (من ترك دينًا أو ضياعًا فإلي وعلي).
    القرض الحسن من الزكاة
    بقى هنا بحث نتم به الحديث عن هذا المصرف، وهو إعطاء القروض الحسنة من الزكاة: هل يجوزذلك قياسًا للمستقرضين على الغارمين؟؟ أم نقف عند حرفية النص ولا نجيز ذلك، بناء على أن الغارمين هم الذين استدانوا بالفعل.
    أعتقد أن القياس الصحيح والمقاصد العامة للإسلام في باب الزكاة.. تجيز لنا القول بإقراض المحتاجين من سهم الغارمين. على أن ينظم ذلك وينشأ له صندوق خاص. وبذلك تساهم الزكاة مساهمة عملية في محاربة الربا.. والقضاء على الفوائد الربوية.
    وهذا ما ذهب إليه الأساتذة: أبو زهرة وخلاف وحسن في بحثهم عن "الزكاة" معللين ذلك بأنه إذا كانت الديون العادلة تؤدى من مال الزكاة، فأولى أن تعطى منه القروض الحسنة الخالية من الربا، لترد إلى بيت المال (حلقة الدراسات الاجتماعية ص 254). فجعلوه من قياس الأولى.
    وإلى مثل هذا الرأي ذهب الباحث العلامة الدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي الأستاذ بجامعة استانبول وباريس وغيرهما، في بحث له بعنوان "بنوك القرض بدون ربا" (نشرته مكتبة المنار بالكويت في سلسة "نحو اقتصاد إسلامي سليم" الحلقة الثانية). وقد أيد رأيه بأن القرآن جعل في ميزانية الزكاة سهمًا للغارمين، وهم المديونون قال: ومن المعلوم أنه يوجد نوعان من المديونين:
    1- الذين لا يستطيعون بسبب الفقر المدقع وعدم الوسائل، أن يؤدوا ما عليهم من القرض في أجل مقدر.
    2- الذين لهم حاجات مؤقتة. ولهم الوسائل ليؤدوا -في وقت قصير- المساعدة التي تلقوها على وجه الدين (انظر: ص 8 - 9 من البحث المذكور).
    يريد الأستاذ أن يجعل هذا الصنف من الغارمين، ولكن كيف وهو قبل أن يأخذ القرض لم يكن غارمًا؟. فالأرجح ما سلكه فقهاؤنا الثلاثة: أبو زهرة وزميلاه أخذًا بقياس الأولى.
    من كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوى ( بتصرف )
    ----------------------------------------------------------------------------
    في سبيل الله
    عبر القرآن الكريم عن المصرف السابع من مصارف الزكاة بقولهوفي سبيل الله) فما المقصود بهذا المصرف؟ ومن هم أهله الذي عنتهم الآية؟
    إن المعنى اللغوي الأصلي للكلمة واضح، فالسبيل هو الطريق، وسبيل الله: الطريق الموصل إلى مرضاته اعتقادًا وعملاً.
    قال العلامة ابن الأثير: "السبيل في الأصل: الطريق. و"سبيل الله" عام، يقع على كل عمل خالص سُلِكَ به طريق التقرب إلى الله عز وجل، بأداء الفرائض والنوافل وأنواع التطوعات. وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد، حتى صار لكثرة الاستعمال كأنه مقصور عليه". (النهاية لابن الأثير: 2/156 - طبع المطبعة الخيرية).
    وبهذا التفسير البين من ابن الأثير لكلمة "سبيل الله" يتضح لنا:
    1- أن المعنى الأصلي للكلمة لغة هو: كل عمل خالص سلك به طريق التقرب إلى الله فهو يشمل جميع الأعمال الصالحة، فردية كانت أو جماعية.
    2- أن المعنى الغالب للكلمة والذي يفهم منها عند الإطلاق هو: الجهاد حتى صار لكثرة استعمالها فيه كأنه مقصور عليها.
    وهذا التردد بين المعنيين كان سببًا لاختلاف الفقهاء في تعيين المقصود من هذا المصرف.
    ولهذا كان المعنى الثاني داخلاً بإجماع الفقهاء في معنى "سبيل الله".
    ولكن الخلاف بين العلماء في أمر آخر، وهو: هل يقصر معنى "سبيل الله" على الجهاد كما هو المتبادر عند الإطلاق؟ أم يتجاوز ذلك فيشمل المعنى الأصلي للكلمة في اللغة، فلا يقف عند حدود الجهاد، بل لا يبقى عمل من أعمال البر والخير إلا دخل فيه؟هذا ما نعرضه فيما يلي مبينين آراء الفقهاء واختلافهم في تحديد المراد الشرعي بهذا المصرف. مرجحين ما نرى أنه أولى بالصواب. وبالله التوفيق.
    مذهب الحنفية
    قال الحنفية في بيان "سبيل الله":
    أريد بذلك - عند أبي يوسف - منقطع الغزاة؛ لأنه المفهوم عند إطلاق هذا اللفظ. والمراد بمنقطع الغزاة: الذين عجزوا عن اللحوق بجيش الإسلام لفقرهم بهلاك النفقة أو الدابة، أو غيرها، فتحل لهم الصدقة وإن كانوا كاسبين، إذ الكسب يقعدهم عن الجهاد.
    وعند محمد: المراد بـ "سبيل الله" منقطع الحجاج، لما روي أن رجلاً جعل بعيرًا له في سبيل الله فأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يحمل عليه الحاج؛ ولأنه في سبيل الله تعالى، لما فيه من امتثال أوامره وطاعته، ومجاهدة النفس التي هي عدو لله تعالى.
    وقيل: المراد "طلبة العلم"، واقتصر على هذا التفسير في الفتاوى الظهيرية. واستبعد بعضهم هذا التفسير؛ لأن الآية نزلت وليس هناك قوم يقال لهم "طلبة علم". ورد عليه بأن طلب العلم ليس إلا استفادة الأحكام الشرعية.
    وهل يبلغ طالب علم رتبة من لازم النبي -صلى الله عليه وسلم- لتلقي الأحكام عنه، كأصحاب الصُفَّة؟
    وفسره الكاساني في "البدائع" بجميع القُرَب والطاعات - كما هو المدلول الأصلي للفظ - فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله تعالى، وفي سبيل الخيرات، إذا كان محتاجًا.
    قال ابن نجيم في البحر: لا يخفى أن قيد الفقر لابد منه على الوجوه كلها. (انظر: الاختيار لتعليل المختار 1/119، والبحر الرائق 2/260، والدر المختار وحاشية رد المحتار عليه:2/83-84 طبع استانبول). وعلق العلامة صاحب المنار في تفسيره (انظر: تفسير المنار: 1/580 - الطبعة الثانية). على كلام صاحب البحر فقال: إنه بهذا القيد أبطل كون "سبيل الله" صنفًا مستقلاً. إذ أرجعه إلى الصنف الأول، وهم الفقراء والمساكين. (ذكر علماء الحنفية مثل هذا الاعتراض وأجابوا عنه بما لا يشفى. فقد نقل عن البحر عن النهاية قال: فإن قلت: منقطع الغزاة والحاج، إن لم يكن في وطنه مال فهو فقير، وإلا فهو ابن السبيل ... قلت: هو فقير، إلا أنه زاد عليه بالانقطاع في عبادة الله تعالى، فكان مغايرًا للفقير المطلق، الخالي عن هذا القيد. أ.هـ (انظر البحر 2/260، ورد المحتار: 2/84).
    وأقول: ولكنه على كال حال لم يخرج عن صنف الفقراء. ونقل الآلوسي في تفسيره (3/328) عن بعضهم: أن التحقيق ما ذكره الجصاص في الأحكام. أن من كان غنيًا في بلده بداره وخدمه وفرسه وله فضل دراهم حتى لا تحل له الصدقة، فإذا عزم على سفر جهاد احتاج لعدة وسلاح لم يكن محتاجًا له في إقامته، فيجوز أن يُعطى من الصدقة، وإن كان غنيًا في مصره).
    فعلماء المذهب الحنفي - وإن اختلفوا في تعيين المراد بسبيل الله - مجمعون على أن الفقر والحاجة شرط لازم لاستحقاق كل من يعتبر في سبيل الله، سواء أكان غازياً، أم حاجاً، أم طالب علم، أم ساعياً في سبيل الخيرات . ولهذا قالوا: إن الخلاف لفظي للاتفاق على أن الأصناف كلهم يعطون بشرط الفقر فيما عدا العامل .
    وقد عرفنا أن الفقير المحتاج له حقه المفروض في الزكاة وإن لم يكن متصفاً بأي من هذه الأوصاف .
    فما الجديد الذي أفاده هذا المصرف إذاً ؟ ولماذا جعله القرآن صنفاً مستقلاً ؟.كما أن الحنفية مجمعون على أن الزكاة لا بد أن تُملّك لشخص، فلا يجوز صرفها لبناء مسجد ونحوه كبناء القناطر والسقايات وإصلاح الطرقات، وكرى الأنهار والحج والجهاد وكل ما لا تمليك فيه ككفن الميت وقضاء دَيْنه (رد المحتار: 2/85).
    مذهب المالكية
    نقل القاضي ابن العربي في "أحكام القرآن" - عند تفسير: (وفي سبيل الله) - عن مالك قال: سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافًا في أن المراد بـ "سبيل الله" ههنا الغزو، من جملة "سبيل الله".
    وعن محمد بن عبد الحكم قال: يُعطى من الصدقة في الكراع والسلاح وما يُحتاج إليه من آلات الحرب، وكف العدو عن الحَوْزة؛ لأنه كله في سبيل الغزو ومنفعته. وقد أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- من الصدقة مائة ناقة في نازلة سهل بن أبي حثمة، إطفاءً للثائرة" (أحكام القرآن: 2/957).
    وفي شرح الدردير على "متن خليل": أن الزكاة يُعطى منها المجاهد والمرابط وما يلزمهما من آلة الجهاد، بأن يشتري منها سلاح أو خيل لينازل عليها، ويأخذ المجاهد من الزكاة ولو كان غنيًا؛ لأن أخذه بوصف الجهاد لا بوصف الفقر. ويُعطى منها جاسوس يُرسَل للاطلاع على عورات العدو ويعلمنا بها ولو كان كافرًا. ولكنه - تبعًا لخليل - لم يجز صرف الزكاة لبناء سور حول البلد ليحتفظ به من الكفار، ولا في عمل مركب يقاتل فيها العدو (هذا مع أن الدردير نفسه في شرحه الصغير قيّد المنع من صرف الزكاة في الأسوار والسفن ونحوها إذا كان لغير جهاد في سبيل الله. انظر الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ص 233 - 234).
    وذكر الدسوقي في حاشيته: أن المنع من بناء الأسوار وصناعة المراكب ونحوها إنما هو قول ابن بشير ولم يُعرف لغيره. ومقابله ما ذكر عن ابن عبد الحكم، ولم يذكر اللخمي غيره، واستظهره في التوضيح. وقال ابن عبد السلام: هو الصحيح (انظر الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي: 1/497).
    ويلاحظ على مذهب المالكية هنا:
    1- أنهم متفقون على أن "سبيل الله" يتعلق بالغزو، والجهاد، وما في معناه كالرباط. أما الحنفية فقد اختلفوا ما بين الجهاد، والحج، وطلب العلم، وسائر القُرَب.
    2- أنهم يرون إعطاء المجاهد، والمرابط ولو كان غنيًا، بخلاف الحنفية. ورأيهم هنا أقرب إلى ظاهر القرآن حيث جعله مصرفًا مستقلاً عن مصرف الفقراء والمساكين. وأقرب إلى السنة، فقد جاء في الحديث: (لا تحل الصدقة لغنى إلا لخمسة) .. وذكر منهم: (الغازي في سبيل الله) وقد مر في الغارمين. وقد ضعف ابن العربي رأي الحنفية في اشتراطهم الفقر في الغازي، وقال: هذه زيادة على النص، وعندهم أن الزيادة على النص نسخ، ولا نسخ في القرآن إلا بقرآن مثله أو خبر متواتر! (انظر: أحكام القرآن: 2/957).
    3- أن جمهورهم يجيزون الصرف في مصالح الجهاد كالسلاح، والخيل، والأسوار، والسفن الحربية، ونحوها. ولم يقصروا الصرف على أشخاص المجاهدين كما هو مذهب الحنفية الذين يوجبون تمليك الزكاة لشخص معين.
    والحق أن رأي المالكية هنا أليق بتعبير القرآن عن هذا المصرف بحرف "في" - لا بـ "لام" التمليك - لأن الظاهر من هذا التعبير أن يكون الصرف في مصلحة الجهاد قبل أن يكون لأشخاص المجاهدين.
    مذهب الشافعية
    ومذهب الشافعية: أن "سبيل الله" - كما في المنهاج للنووي وشرحه لابن حجر الهيثمي - هم الغزاة المتطوعون الذين لا يتقاضون راتباً من الحكومة، أو بعبارة ابن حجر: لا سهم لهم في ديوان المرتزقة بل هم متطوعة يغزون إذا نشطوا، وإلا فهم في حرفهم وصنائعهم قال: و"سبيل الله" وضعًا: الطريق الموصلة إليه تعالى، ثم كثر استعماله في الجهاد؛ لأنه سبب الشهادة الموصلة إلى الله تعالى، ثم وضع على هؤلاء؛ لأنهم جاهدوا لا في مقابل، فكانوا أفضل من غيرهم (تحفة المحتاج بشرح المنهاج: 3/96، وانظر نهاية المحتاج: 6/155 - 156). فيعطى هؤلاء ما يعينهم على الغزو ولو كانوا أغنياء.
    ونص الشافعي في "الأم": "ويعطى من سهم "سبيل الله" جل وعز من غزا من جيران الصدقة فقيرًا كان أو غنيًا، ولا يعطى منه غيرهم، إلا أن يحتاج إلى الدفع عنهم فيعطاه من دفع عنهم المشركين" (الأم: 2/60 ط طبع بولاق).
    وإنما اشترط جيران الصدقة؛ لأنه لا يجوز عنده نقل الزكاة إلى غير بلد المال.
    قال النووي في الروضة:
    وأما الغازي فيعطى النفقة والكسوة مدة الذهاب والرجوع، ومدة المقام بالثغر وإن طال، وهل يعطى جميع المؤنة أم ما زاد بسبب السفر؟ وجهان.
    ويعطى ما يشتري به الفرس إن كان يقاتل فارسًا، وما يشتري به السلاح، وآلات القتال، ويصير ذلك ملكًا له، ويجوز أن يُستأجر له الفرس، والسلاح.
    ويختلف ذلك بحسب كثرة المال وقلته. وإن كان يقاتل راجلاً، فلا يعطى لشراء الفرس ..
    قال النووي في بعض شروح المفتاح: أنه يعطى الغازي نفقته ونفقة عياله ذهاباً ومقامًا ورجوعًا، وسكت الجمهور عن نفقة العيال، لكن أخذها ليس ببعيد.
    وقال: للإمام الخيار: إن شاء دفع الفرس والسلاح إلى الغازي تمليكًا، وإن شاء استأجر له مركوباً، وإن شاء اشترى خيلاً من هذا السهم ووقفها في سبيل الله تعالى، فيعيرهم إياها وقت الحاجة، فإذا انقضت استرد (الروضة للنووي: 2/326 - 327).
    وبحث الشافعية هنا فيما إذا عدم الفيء ولم يكن مع الإمام شيء للمرتزقة واحتاج المسلمون إلى من يكفيهم شر الكفار، فهل يعطى المرتزقة من الزكاة من سهم "سبيل الله" ؟ قال النووي: فيه قولان، أظهرهما: لا، بل يجب إعانتهم على أغنياء المسلمين (الروضة للنووي: 2/321).
    وإذا امتنع الأغنياء، أو لم يوجد عندهم فضل أموال، ولم يجد الإمام غير أهل الفيء فهل يحل لهم أن يأخذوا من الزكاة كفايتهم؟
    استظهر ابن حجر في شرح المنهاج: أن ذلك يحل لهم (تحفة المحتاج: 3/96).
    ونلاحظ هنا:
    أن مذهب الشافعية يوافق مذهب المالكية في قصر هذا المصرف على الجهاد والمجاهدين، وفي جواز إعطاء المجاهد ما يعينه على الجهاد، ولو كان غنيًا، وفي إجازة الصرف على ما يلزم للمجاهدين من سلاح ومعدات.
    ولكن الشافعية هنا خالفوا المالكية في أمرين:
    1- أنهم اشترطوا أن يكون المجاهدون متطوعة، وليس لهم سهم أو راتب في الخزانة العامة.
    2- أنهم لا يجيزون أن يصرف في هذا السهم أكثر مما يصرف على السُّهمان الأخرى من الفقراء والمساكين .. إلخ. بناء على قول الشافعي بوجوب التسوية بين الأصناف،
    مذهب الحنابلة
    ومذهب الحنابلة - كمذهب الشافعية - أن المراد بـ "سبيل الله" هو الغزاة المتطوعة الذين ليس لهم راتب، أو لهم دون ما يكفيهم، فيُعطى المجاهد منهم ما يكفيه لغزوه. ولو كان غنياً. وإن لم يغز بالفعل رد ما أخذه. ويتوجه عندهم: أن الرباط على الثغور كالغزو كلاهما في سبيل الله.
    وذكر في "غاية المنتهى" وشرحه: أنه يجوز للإمام أن يشتري من مال الزكاة فرساً، ويدفعها لمن يغزو عليها، ولو كان الغازي هو صاحب الزكاة نفسه؛ لأنه بريء منها بدفعها للإمام. كما يجوز له أن يشتري منها أيضًا سفنًا ونحوها للجهاد؛ لأنها من حاجة الغازي ومصلحته، وكل ما فيه مصلحة للمسلمين يجوز للإمام فعله؛ لأنه أدرى بالمصالح من غيره.
    وهذا بخلاف رب المال فلا يجوز له أن يشتري بزكاته فرسًا يحبسها في سبيل الله، أو عقارًا يقفه على الغزاة؛ لعدم الإيتاء المأمور به (انظر مطالب أولي النهى: 2 / 147 - 148).
    أما الحج ففيه روايتان عن أحمد:
    إحداهما: أنه من سبيل الله، فيعطى الفقير من الزكاة ما يحج به حجة الإسلام أو يعينه فيها، لحديث أم معقل الأسدية: أن زوجها جعل بَكْرًا في سبيل الله. وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى، فأتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكرت له، فأمره أن يعطيها وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الحج والعمرة في سبيل الله) (رواه أحمد وأصحاب السنن وهو ضعيف؛ لأن في سنده رجلاً مجهولاً وراويًا متكلمًا فيه، كما أن فيه اضطرابًا. وأخرج أبو داود الحديث برواية أخرى، وفي إسنادها محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. (انظر نيل الأوطار: 4/181 - طبع الحلبي).
    وقد روي هذا عن ابن عباس، وابن عمر، وهو قول إسحاق أيضًا.
    والثانية: أنه لا يصرف من الزكاة في الحج كما هو قول الجمهور، قال ابن قدامة في المغني: وهذا أصح؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد، فإنّ كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير، فيجب أن يُحمل ما في الآية على ذلك؛ لأن الظاهر إرادته به، ولأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها كالفقراء والمساكين، وفي الرقاب، والغارمين لقضاء ديونهم، أو ممن يحتاج إليه المسلمون كالعامل، والغازي، والمؤلَّف، والغارم لإصلاح ذات البين. والحج للفقير لا نفع للمسلمين فيه، ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضًا؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه، وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها. وخفف عنه إيجابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف. أو دفعه في مصالح المسلمين أولى" (المغني لابن قدامة: 6/47 - طبع الإمام).
    وهذا التوجيه النَيِّر العميق، لا يحتاج إلى تعليق.
    أما الحديث الذي استندت إليه الرواية الأخرى عن أحمد، فقد ضعف سنده، وعلى فرض التسليم بصحته، فقد أجاب عنه بعض الشافعية بأنَّا لا نمنع أن يقال: الحج من سبيل الله، وإنما النزاع في "سبيل الله" في آية: (إنما الصدقات) وحديث: ( لا تحل الصدقة إلا لخمسة) وذكر منها: (الغازي في سبيل الله) يدل على المراد في الآية. على أن في أصل دلالة ذلك الحديث على الدعوى نظرًا؛ لأن الذي فيه إعطاء بعير جُعِلَ صدقة في سبيل الله، كما في رواية، أو أوصى به لسبيل الله - كما في أخرى - لمن يحج عليه، فلو افترضنا أنه بعير زكاة، فيُحتمل أن يكون مَن أعطيه فقيرًا يستحق الانتفاع به، أو أنه أركبه من غير تمليك له ولا تملك (انظر تحفة المحتاج: 3/96).
    ما اتفق عليه المذاهب الأربعة في هذا المصرف
    يلاحظ مما نقلناه عن المذاهب الأربعة أنها اتفقت في هذا المصرف على أمور ثلاثة:
    1- أن الجهاد داخل في سبيل الله قطعًا.
    2- مشروعية الصرف من الزكاة لأشخاص المجاهدين، بخلاف الصرف لمصالح الجهاد ومعداته، فقد اختلفوا فيه.
    3- عدم جواز صرف الزكاة في جهات الخير والإصلاح العامة من بناء السدود والقناطر، وإنشاء المساجد والمدارس، وإصلاح الطرق وتكفين الموتى، ونحو ذلك. وإنما عبء هذه الأمور على موارد بيت المال الأخرى من الفيء والخراج وغيرها.
    وإنما لم يجز الصرف في هذه الأمور لعدم التمليك فيها، كما يقول الحنفية، أو لخروجها عن المصارف الثمانية، كما يقول غيرهم.
    أما ما نقل عن "البدائع" من تفسيره بجميع القُرَب والطاعات، فقد اشترط فيه تمليك الزكاة لشخص، فلا تعطى لجهة عامة، كما اشترط أن يكون الشخص فقيرًا لهذا لا يخرج هذا الرأي عن دائرة المضيقين في مدلول "سبيل الله".
    وانفرد أبو حنيفة باشتراط الفقر في المجاهد. كما انفرد أحمد بجواز الصرف للحجاج والُعمَّار.
    واتفق الشافعية والحنابلة على اشتراط أن يكون المجاهدون الذين يأخذون الزكاة من المتطوعين غير المرتبين في الديوان.
    واتفق - ما عدا الحنفية - على مشروعية الصرف على مصالح الجهاد في الجملة.
    الموسعون في معنى سبيل الله
    ومن العلماء - قديمًا وحديثًا - من توسع في معنى "سبيل الله" فلم يقصره على الجهاد وما يتعلق به، بل فسره بما يشمل سائر المصالح والقربات وأعمال الخير والبر، وفقًا للمدلول الأصلي للكلمة وضعًا.
    ما نقله القفال عن بعض الفقهاء:
    من ذلك ما نبه عليه الإمام الرازي في تفسيره حيث ذكر: أن ظاهر اللفظ في قوله تعالى: (وفي سبيل الله) لا يوجب القصر على الغزاة. ثم قال: فلهذا المعنى نقل القفال في تفسيره عن بعض الفقهاء: أنها أجازوا صرف الصدقات إلى جميع وجوه الخير: من تكفين الموتى، وبناء الحصون، وعمارة المساجد؛ لأن قوله: (وفي سبيل الله) عام في الكل (تفسير الفخر الرازي 16/113 )أ.هـ.
    ولم يبين لنا من هم هؤلاء الفقهاء، ولكن المحققين من العلماء لا يطلقون وصف الفقيه إلا على المجتهد. كما أن الرازي لم يعقب على نقل القفال بشيء، مما يوحي بميله إليه.
    ما نسب إلى أنس والحسن .. ومناقشته:
    ونسب ابن قدامة في "المغني" هذا الرأي إلى أنس بن مالك والحسن البصري. فقد قالا: "ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية" (المغني: 2/167).
    فدلت هذه العبارة على جواز صرف الزكاة في إنشاء الجسور والطرق وإصلاحها، فهي صدقة ماضية .. أي جائزة ومقبولة.
    ولكن أبا عبيد روى عنهما العبارة المذكورة، دالة على معنى آخر. فقد ذكر أن المسلم إذا مرَّ بصدقته على العاشر، فقبضها منه تجزئه من الزكاة. وكان العاشرون - وهم محصِّلون معينون من قِبَل ولي الأمر - يقفون في الجسور والطرق، ليأخذوا من تجار أهل الحرب المستأمنين وأهل الذمة والمسلمين ما هو مفروض عليهم من ضرائب تجارية، أشبه بما نسميه الآن "الضرائب الجمركية"، فقد كانوا يقفون على الحدود غالبًا. وروى أبو عبيد من أقوال التابعين ومن بعدهم، كإبراهيم والشعبي وأبي جعفر الباقر - محمد بن علي - ما يؤكد هذا المعنى، وهو احتساب ما يأخذه العاشر من الزكاة، وقد جاء عن الحسن نفسه صريحًا. على خلاف ما قال ميمون بن مهران في ذلك: إنه يخرج زكاة ماله، ولا يعتد بما أخذ منه. ولكن أبا عبيد قال: والأمر عندنا على ما قال أنس والحسن وإبراهيم والشعبي ومحمد بن علي، وعليه الناس (انظر الأموال ص 573 - 575).
    وكذلك رواه ابن أبي شيبة (في المصنف: (3/166) طبع حيدرآباد،
    آراء المحدثين - القاسمي:
    ذكر الشيخ جمال الدين القاسمي - رحمه الله - في تفسيره ما ذكره الرازي من أن ظاهر اللفظ لا يوجب القصر على الغزاة، وما نقله القفال عن بعض الفقهاء في ذلك، ثم ذكر قول صاحب "التاج": "كل سبيل أريد به الله عز وجل - وهو بر - داخل في سبيل الله" (محاسن التأويل: 7/3181 ). وسكت عن هذه النقول، ولم يعقب عليها، وهو يوحي بموافقة ضمنية، أو بعدم الاعتراض.
    رأي رشيد رضا وشلتوت:
    أما السيد رشيد رضا - صاحب المنار - رحمة الله. فقد قال في تفسير آية المصارف ما نصه:
    "التحقيق أن سبيل الله هنا: مصالح المسلمين العامة التي بها قوام أمر الدين والدولة دون الأفراد. وأن حج الأفراد ليس منها؛ لأنه واجب على المستطيع دون غيره، وهو من الفرائض العينية بشرطه كالصلاة والصيام، لا من المصالح الدينية الدولية ... ولكن شعيرة الحج وإقامة الأمة لها منها، فيجوز الصرف من هذا السهم على تأمين طرق الحج وتوفير الماء والغذاء وأسباب الصحة للحجاج، إن لم يوجد لذلك مصرف آخر (تفسير المنار: 1/585 - الطبعة الثانية).
    وذكر صاحب المنار - بعد ذلك بقليل (المصدر السابق ص 587) - أن سبيل الله يشمل سائر المصالح الشرعية العامة التي هي ملاك أمر الدين والدولة. وأوليها وأولها بالتقديم الاستعداد للحرب، لشراء السلاح، وأغذية الجند، وأدوات النقل، وتجهيز الغزاة ( وهذا بالنسبة للحرب الإسلامية والجيوش الإسلامية التي تقاتل لإعلاء كلمة الله فحسب)، وتقدم مثله عن محمد بن عبد الحكم، ولكن الذي يجهز به الغازي يعود بعد الحرب إلى بيت المال إن كان مما يبقى كالسلاح والخيل وغير ذلك؛ لأنه لا يملكه دائماً بصفة الغزو التي قامت به، بل يستعمله في سبيل الله، ويبقى بعد زوال تلك الصفة عنه في سبيل الله، ويدخل في عمومه إنشاء المستشفيات العسكرية، وكذا الخيرية العامة، وإشراع الطرق وتعبيدها، ومد الخطوط الحديدية العسكرية - لا التجارية - ومنها بناء البوارج المدرعة والمطارات الحربية والحصون والخنادق، ومن أهم ما يُنفق في سبيل الله في زماننا هذا إعداد الدعاة إلى الإسلام، وإرسالهم إلى بلاد الكفار من قبل جمعيات منظمة تمدهم بالمال الكافي كما يفعله الكفار في تبشير دينهم. وقد بينا تفصيل هذه المصلحة العظيمة في تفسير قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) (آل عمران: 104) أ.هـ.
    وكذا فسر الشيخ محمود شلتوت -رحمه الله- "سبيل الله" بأنه: "المصالح العامة التي لا ملك فيها لأحد، والتي لا يختص بالانتفاع بها أحد، فملكها لله، ومنفعتها لخلق الله، وأولاها وأحقها: التكوين الحربي الذي ترد به الأمة البغي، وتحفظ الكرامة، ويشمل العدد والعُدَّة على أحدث المخترعات البشرية، ويشمل المستشفيات عسكرية ومدنية، ويشمل تعبيد الطرق، ومد الخطوط الحديدية، وغير ذلك، مما يعرفه أهل الحرب والميدان. ويشمل الإعداد القوي الناضج لدعاة إسلاميين يُظهرون جمال الإسلام وسماحته، ويفسرون حكمته، ويبلغون أحكامه، ويتعقبون مهاجمة الخصوم لمبادئه بما يرد كيدهم إلى نحورهم."وكذلك يشمل العمل على دوام الوسائل التي يستمر بها حفظة القرآن الذين تواتر - ويتواتر - بهم نقله كما أنزل، من عهد وحيه إلى اليوم، وإلى يوم الدين إن شاء الله" أ.هـ. (الإسلام عقيدة وشريعة ص 97 - 98، طبع الأزهر).
    وهو تأييد لما ذهب إليه صاحب المنار رحمه الله.
    وعلى هذا الأساس أفتى من سأله عن جواز صرف الزكاة في بناء المساجد فكان جوابه: "إن المسجد الذي يراد إنشاؤه أو تعميره إذا كان هو المسجد الوحيد في القرية. أو كان بها غيره ولكن يضيق بأهلها، ويحتاجون إلى مسجد آخر، صح شرعًا صرف الزكاة لبناء هذا المسجد أو إصلاحه، والصرف على المسجد في تلك الحالة يكون من المصرف الذي ذكر في آية المصارف الواردة في سورة التوبة باسم "سبيل الله" .
    وهذا مبني على اختيار أن المقصود بكلمة " سبيل الله" المصالح العامة، التي ينتفع بها المسلمون كافة، ولا تخص واحدًا بعينه، فتشمل المساجد والمستشفيات ودور التعليم ومصانع الحديد والذخيرة وما إليها، مما يعود نفعه على الجماعة. وأحب أن أقرر هنا أن المسألة محل خلاف بين العلماء (ثم ذكر الشيخ، ما نقله الرازي في تفسيره عن القفال من صرف الصدقات في جميع وجوه الخير ... ) إلى أن قال: " وهذا ما أختاره وأطمئن إليه وأفتي به، ولكن مع القيد الذي ذكرناه بالنسبة للمساجد، وهو أن يكون المسجد لا يغني عنه غيره، وإلا كان الصرف إلى غير المسجد أولى وأحق" أ هـ (الفتاوى للشيخ شلتوت ص 219 - طبع الأزهر).
    فتوى مخلوف:
    وسئل الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق عن جواز الدفع لبعض الجمعيات الخيرية الإسلامية من الزكاة. فأفتى بالجواز، مستندًا إلى ما نقله الرازي عن القفال وغيره في معنى "سبيل الله" (انظر: فتاوى شرعية للشيخ مخلوف الجزء الثاني).
    موازنة وترجيح
    بعد أن ذكرنا أقوال المذاهب الأربعة التي قصر أغلبها "سبيل الله" على الجهاد، وما في معناه، وذكرنا أقوال الآخرين من القدامي والمحدَثين الذي توسعوا في مدلول سبيل الله، يلزمنا أن نبين أي الوجهتين أولى بالصواب وأحق بالترجيح.
    لقد اعتمد الموسِّعون على دليل واضح هو المعنى الوضعي الأصلي للفظة "سبيل الله" فهي تشمل كل عمل خيري. وكل ما يعود على المسلمين بالمنفعة، فأجازوا - على هذا - الصرف في بناء المساجد والمدارس والمستشفيات، وفي كل المشروعات الإنشائية الخيرية.
    أما الجمهور من فقهاء المذاهب الأربعة، فقد منعوا ذلك معتمدين على دليلين:
    الأول: وهو الذي عليه عول الحنفية - أن ركن الزكاة هو التمليك، وهو منعدم في الصرف إلى جهات الخير التي لا ملكية فيها لأحد. والدليل على ركنية التمليك: أن الله تعالى سماها صدقة، وحقيقة الصدقة تمليك المال للفقير (فتح القدير: 2/20).
    الثاني: أن الأمور المذكورة من بناء المساجد والمدارس والسقايات ونحوها، ليست من المصارف الثمانية التي حددها القرآن بقوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء) ... الآية، و"إنما" للحصر والإثبات، تثبت المذكور وتنفي ما عداه. ولحديث: (إن الله تعالى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء) .... الحديث، وهذا ما اعتمد عليه ابن قدامة في المغني (المغني: 2/167).
    أما الدليل الأول ففيه نظر، لما ذكرنا من قبل: أن المصارف التي عبر عنها القرآن بحرف "في" لا يشترط فيها التمليك. وعلى هذا أفتى من الفقهاء من أفتى بجواز إعتاق الرقاب وقضاء دين الميت من الزكاة، مع انعدام التمليك. ثم إن التمليك يتحقق بإعطاء الزكاة لأولي الأمر، وليس بلازم أن يضعها المالك في يد الفقير، فإذا قبضها الإمام أو نائبه، كان له أن يصرفها في هذه الأمور.
    أما الدليل الثاني القائم على حصر المصارف في ثمانية، فليس بكاف في الرد على المتوسعين، ما دام هؤلاء يقولون: إن هذه الأمور من بناء المساجد وغيرها هي من "سبيل الله" فلم تخرج عن المصارف التي حصرها الله. بـ "إنما" .. ولكن الرد الصحيح على القائلين بهذا الرأي يكون بتحديد المراد من "سبيل الله" هل هو خاص بالغزو والقتال - كما هو رأي الجمهور - أم هو عام يشمل كل بر وخير وقربة - كما هو رأي من ذكرنا - وكما يدل عليه عموم اللفظ.
    ولكي نحدد هذا المراد تحديدًا دقيقًا، علينا أن نستعرض موارد هذه الكلمة في القرآن، لنبين ماذا يراد بها حيث وردت، فخير ما يفسر القرآن بالقرآن.
    "سبيل الله" في القرآن
    ذكرت كلمة: " في سبيل الله" في القرآن العزيز بضعًا وستين مرة (راجع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم). وقد جاء ذكرها على طريقتين:
    1- فتارة تجر بحرف "في" (في سبيل الله) .. كما في آية مصارف الزكاة هذه وهو أكثر ما ورد في القرآن، وتارة تجر بحرف "عن": (عن سبيل الله) .. وذلك في ثلاثة وعشرين موضعًا من القرآن.
    وفي هذه المواضع جاءت بعد واحد من فعلين إما الصد مثل: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيدًا) (النساء: 167) .. (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) (الأنفال36 ). وإما الإضلال مثل: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) (لقمان: 6 ).
    2- وحينما تجر بـ "في" - وهو أكثر ما ورد في القرآن - يكون ذلك بعد فعل الإنفاق: (وأنفقوا في سبيل الله) (البقرة: 195 )، أو الهجرة: (والذين هاجروا في سبيل الله) (الحج: 58 )، أو الجهاد: (وجاهدوا في سبيل الله) (البقرة: 218 )، أو القتال أو القتل: (يقاتلون في سبيل الله فيَقْتُلون وُيقْتّلون) (التوبة: 11)، (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) (البقرة: 154)، أو المخمصة أو الضرب وما يشبهها. فما المراد بـ "سبيل الله" في آيات القرآن؟
    إن "السبيل" في اللغة هو الطريق. و"سبيل الله" هو الطريق الموصل إلى رضاه ومثوبته، وهو الذي بعث النبيين ليهدوا الخلق إليه، وأمر خاتم رسله بالدعوة إليه: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) (النحل: 125 )، وأن يعلن في الناس: (هذه سبيلي أدعوا إلى الله، على بصيرة أنا ومن اتبعني) (يوسف:108 ).
    وهناك سبيل آخر مضاد، هو سبيل الطاغوت، وهو الذي يدعو إليه إبليس وجنوده، وهو الذي ينتهي بصاحبه إلى النار وسخط الله، وقد قال الله تعالى مقارنًا بين الطريقين وأصحابهما: (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) (النساء 76 ).
    وسبيل الله: دعاته قليلون، وأعداؤه الصادون عنه كثيرون: (ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) (الأنفال: 36). (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) (لقمان: 6). (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) (الأنعام: 116). هذا إلى أن تكاليف هذا الطريق تجعل أهواء النفوس مخالفة له صادة عنه، ولهذا جاء التحذير من اتباع الهوى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) (سورة ص: 26).
    وإذا كان أعداء الله يبذلون جهودهم وأموالهم ليصدوا عن "سبيل الله" فإن واجب أنصار الله من المؤمنين أن يبذلوا جهودهم، وينفقوا أموالهم في "سبيل الله"، وهذا ما فرضه الإسلام، فجعل جزءًا من الزكاة المفروضة يخصص لهذا المصرف الخطير " في سبيل الله" . كما حث المؤمنين بصفة عامة على إنفاق أموالهم في "سبيل الله".
    معنى "سبيل الله" إذا قرن بالإنفاق
    والمتتبع لكلمة "سبيل الله" مقرونة بالإنفاق، يجد لها معنيين:
    1- معنى عام - حسب مدلول اللفظ الأصلي يشمل كل أنواع البر والطاعات وسبل الخيرات. وذلك كقوله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء) (البقرة:261)، وقوله: (الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة:262). فلم يفهم أحد من هذه الآية خاصة أن سبيل الله فيه مقصور على القتال، وما يتعلق به، بدليل ذكر المن والأذى، وهما إنما يكونان عند الإنفاق على الفقراء وذوي الحاجة، وبخاصة الأذى. وكذلك قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) (التوبة: 34) فالمراد بـ "سبيل الله " في هذه الآية المعنى الأعم - كما قال الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 3/172) - لا خصوص القتال. وإلا لكان الذي ينفق ماله على الفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل ونحوها - دون خصوص القتال - داخلاً في دائرة الكانزين والمبشَّرين بالعذاب.
    وزعم بعض المعاصرين: أن كلمة " في سبيل الله" إذا قرنت بالإنفاق كان معناها الجهاد جزمًا، ولا تحتمل غيره مطلقًا (النظام الاقتصادي في الإسلام - تقي الدين النبهاني - من منشورات حزب التحرير ص 208 - الطبعة الثالثة). وهو زعم غير مبني على الاستقراء التام لموارد الكلمة في الكتاب العزيز، وآيتا البقرة والتوبة المذكورتان تردان عليه.
    2- والمعنى الثاني معنى خاص وهو نُصرة دين الله ومحاربة أعدائه وإعلاء كلمته في الأرض، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. والسياق هو الذي يميز هذا المعنى الخاص من المعنى العام السابق. وهذا المعنى هو الذي يجيء بعد القتال والجهاد مثل: "قاتلوا في سبيل الله"، و "جاهدوا في سبيل الله" ومن ذلك قوله تعالى بعد آيات القتال في سورة البقرة: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) (البقرة: 195). فالإنفاق هنا إنفاق في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمته على أعدائه المحاربين له الصادين عنه.
    ومثل ذلك قوله تعالى في سورة الحديد: (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض، لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى) (الحديد: 10). فالسياق يدل على أن الإنفاق هنا كالإنفاق في الآية السابقة.
    وفي سورة الأنفال قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) (الأنفال: 60). فالمقام يدل بوضوح على أن سبيل الله في الآية هو محاربة أعداء الله، ونصرة دين الله، كما صرح بذلك الحديث الصحيح: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) (متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري).
    وهذا المعنى الخاص هو الذي يعبر عنه أحيانًا بالجهاد والغزو. وتفسيرنا له بنصرة الإسلام أولى، وإلا لكان مضمون معنى: "جاهدوا في سبيل الله" جاهدوا في الجهاد ‍
    "سبيل الله" في آية مصارف الزكاة
    وإذا كان لسبيل الله مع الإنفاق هذان المعنيان: العام والخاص - كما ذكرنا - فما المراد به معنا في الآية التي حددت مصارف الزكاة، والإنفاق ملحوظ فيها وإن لم يُذكر لفظه؟
    إن الذي أرجحه أن المعنى العام لسبيل الله لا يصلح أن يراد هنا؛ لأنه بهذا العموم يتسع لجهات كثيرة، لا تحصر أصنافها فضلاً عن أشخاصها. وهذا ينافي حصر المصارف في ثمانية. كما هو ظاهر الآية، وكما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء)، كما أن سبيل الله بالمعنى العام يشمل إعطاء الفقراء والمساكين وبقية الأصناف السبعة الأخرى؛ لأنها جميعًا من البر وطاعة الله، فما الفرق إذن بين هذا المصرف وما سبقه وما يلحقه؟
    إن كلام الله البليغ المعجز يجب أن يُنَزَّه عن التكرار بغير فائدة، فلابد أن يراد به معنى خاص يميزه عن بقية المصارف، وهذا ما فهمه المفسرون والفقهاء من أقدم العصور، فصرفوا معنى سبيل الله إلى الجهاد، وقالوا: إنه المراد به عند إطلاق اللفظ. ولهذا قال ابن الأثير: إنه صار لكثرة الاستعمال فيه كأنه مقصور عليه. كما نقلناه عنه في أول الفصل.
    ومما يؤيد ما قاله ابن الأثير. ما رواه الطبراني: أن الصحابة كانوا يومًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرأوا شابًا جلدًا، فقالوا: لو كان شبابه وجلده في سبيل الله؟! (قال المنذري في الترغيب (3/4 - طبع المنيرية): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح). يريدون : في الجهاد ونُصرة الإسلام.
    وصحت أحاديث كثيرة عن الرسول وأصحابه تدل على أن المعنى المتبادر لكلمة "سبيل الله" هو الجهاد - يقول كقول عمر في الحديث الصحيح : ( حملتُ على فرس في سبيل الله ) - يعني في الجهاد، وحديث الشيخين: ( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)، وحديث البخاري: (من احتبس فرسًا في سبيل الله، إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده، فإن شبعه، وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة) - يعني حسناته، وحديث الشيخين: (ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا)، وحديث النسائي والترمذي وحسنه: (من أنفق في سبيل الله كتبت بسبعمائة ضعف)، وحديث البخاري: (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار) (خرج هذه الأحاديث كلها المنذري في الترغيب - الجزء الثاني - كتاب الجهاد). وغيرها كثير.
    ولم يفهم أحد من "سبيل الله" فيها إلا الجهاد.
    فهذه القرائن كلها كافية في ترجيح أن المراد من "سبيل الله" في آية المصارف، هو الجهاد، كما قال الجمهور، وليس المعنى اللغوي الأصلي، وقد أيد ذلك حديث: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة) .. وذكر منهم الغارم والغازي في "سبيل الله".
    ولهذا أوثر عدم التوسع في مدلول "سبيل الله" بحيث يشمل كل المصالح والقربات. كما أرجح عدم التضييق فيه، بحيث لا يقتصر على الجهاد بمعناه العسكري المحض.
    إن الجهاد قد يكون بالقلم واللسان، كما يكون بالسيف والسنان. قد يكون الجهاد فكريًا، أو تربويًا، أو اجتماعيًا، أو اقتصاديا، أو سياسيًا. كما يكون عسكريًا.
    وكل هذه الأنواع من الجهاد تحتاج إلى الإمداد والتمويل.
    المهم أن يتحقق الشرط الأساسي لذلك كله، وهو أن يكون "في سبيل الله" أي في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمته في الأرض، فكل جهاد أريد به أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. أيًا كان نوع هذا الجهاد وسلاحه.يقول الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: (وفي سبيل الله): "يعني: وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقته وشريعته التي شرعها لعباده، بقتال أعدائه. وذلك هو غزو الكفار".
    والجزء الأول من كلام شيخ المفسرين واضح ومقبول، وهو يشمل كل نفقة في نصرة الإسلام وتأييد شريعته، أما قتال أعداء الله وغزو الكفار، فليس إلا وجهًا واحدًا من أوجه النصرة لهذا الدين.
    فالنصرة لدين الله وطريقته وشريعته تتحقق بالغزو والقتال في بعض الأحوال، بل قد يتعين هذا الطريق في بعض الأزمنة والأمكنة لنصرة دين الله. ولكن قد يأتي عصر - كعصرنا - يكون فيه الغزو الفكري والنفسي أهم وأبعد خطرًا وأعمق أثرًا، من الغزو المادي العسكري.
    فإذا كان جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة قديمًا، قد حصروا هذا السهم في تجهيز الغزاة والمرابطين على الثغور، وإمدادهم بما يحتاجون إليه من خيل وكراع وسلاح. فنحن نضيف إليهم في عصرنا غزاة ومرابطين من نوع آخر. أولئك الذين يعملون على غزو العقول والقلوب بتعاليم الإسلام، والدعوة إلى الإسلام. أولئك هم المرابطون بجهودهم وألسنتهم وأقلامهم للدفاع عن عقائد الإسلام وشرائع الإسلام.
    ودليلنا على هذا التوسع في معنى الجهاد:
    أولاً: أن الجهاد في الإسلام لا ينحصر في الغزو الحربي والقتال بالسيف، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن سئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: (كلمة حق عند سلطان جائر) (رواه أحمد والنسائي والبيهقي في الشعب والضياء المقدسي عن طارق بن شهاب، وقال المنذري بعد عزوه للنسائي: إسناده صحيح (التيسير للمناوي 1/182).
    كما روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
    ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم عن أنس، وقال: صحيح، وأقروه كما في التيسير (1/485).
    ثانيًا: أن ما ذكرناه من ألوان الجهاد والنشاط الإسلامي لو لم يكن داخلاً في معنى الجهاد بالنص، لوجب إلحاقه به بالقياس. فكلاهما عمل يقصد به نصرة الإسلام والدفاع عنه، ومقاومة أعدائه، وإعلاء كلمته في الأرض.
    وقد رأينا من فقهاء المسلمين من ألحق بالعاملين على الزكاة من يعمل في مصلحة عامة للمسلمين. قال ابن رشد: والذين أجازوها للعامل وإن كان غنيًا، أجازوها للقضاة ومن في معناهم، ممن المنفعة بهم عامة للمسلمين (بداية المجتهد: 1/276 - طبع الحلبي).
    كما رأينا من فقهاء الحنفية من ألحق بابن السبيل كل من هو غائب عن ماله غير قادر عليه، وإن كان في بلده؛ لأن المعتبر هو الحاجة وقد وجدت.
    فلا عجب أن نلحق بالجهاد - بمعنى القتال - كل ما يؤدي غرضه، ويقوم بمهمته من قول أو فعل؛ لأن العلة واحدة، وهي نصرة الإسلام.
    ومن قبل رأينا للقياس مدخلاً في كثير من أبواب الزكاة. ولم نجد مذهبًا إلا قال به في صورة من الصور.
    وبذلك يكون ما اخترناه هنا في معنى "سبيل الله" هو رأي الجمهور مع بعض التوسعة في مدلوله.
    وأود أن أنبه هنا على أن بعض الأعمال والمشروعات قد تكون في بلد ما، وزمن ما وحالة ما - جهادًا في سبيل الله، ولا تكون كذلك في بلد آخر أو وقت آخر أو حال أخرى.
    فإنشاء مدرسة في الظروف العادية عمل صالح وجهد مشكور يحبذه الإسلام ولكنه لا يعد جهادًا. فإذا كان بلد قد أصبح فيه التعليم وأصبحت المؤسسات التعليمية في يد المبشرين أو الشيوعيين أو اللادينيين العلمانيين، فإن من أعظم الجهاد إنشاء مدرسة إسلامية خالصة، تعلِّم أبناء المسلمين، وتحصنهم من معاول التخريب الفكري والخُلُقي، وتحميهم من السموم المنفوثة في المناهج والكتب، وفي عقول المعلمين، وفي الروح العامة التي توجه المدارس والتعليم كله.
    ومثل ذلك يقال في إنشاء مكتبة إسلامية للمطالعة في مواجهة المكتبات الهدَّامة.
    وكذلك إنشاء مستشفى إسلامي لعلاج المسلمين، وإنقاذهم من استغلال الإرساليات التبشيرية الجشعة المضللة، وإن كانت المؤسسات الفكرية والثقافية تظل أشد خطرًا، وأبعد أثرًا.
    أين يصرف سهم "سبيل الله" في عصرنا ؟
    رأينا فيما سبق أن القول المشهور والمعتمد في المذاهب الأربعة: أن سبيل الله معناه الغزو والجهاد بالمعنى العسكري الحربي. وبعبارة أخرى: سبيل الله هي الحرب الإسلامية، مثل حروب الصحابة والتابعين لهم بإحسان، التي خاضوها باسم الله. وتحت راية القرآن، وهدفهم أن يخرجوا الناس من عبادة الخلق إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق العيش إلى سعة الحياة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
    ويتصور بعض الناس أن هذه الحرب ليس لها وجود اليوم، ولم يكن لها وجود منذ أمد طويل. والحروب التي تندلع في أوطان المسلمين اليوم ومنذ زمن ليست حروبًا إسلامية يخوضها مسلمون ضد كفار، إنما هي حروب وطنية قومية يخوضها قوم ضد من اعتدوا على وطنهم أو قومهم. فهي إذن حروب دنيوية لا صلة لها بالدين. ولهذا لا تعتبر "في سبيل الله" فلا يحل للمسلم صرف الزكاة إليها.
    هذا ما يتصوره بعض المسلمين ويقولونه. وهو كلام يحتاج إلى تحقيق وتمحيص، حتى يعرف صوابه من خطئه.
    إن الحرب الإٍسلامية أو الجهاد الإسلامي ليس محصورًا في الصورة التي عرفت في حروب الصحابة، تلك الحروب التي شنت لإزالة القوى الطاغية المتجبرة، التي صدت عن سبيل الله بالعنف، وقاومت دعوة الله بالسيف، وقتلت دعاتها بالظلم والغدر. تلك الحروب التي لم يعرف التاريخ لها مثيلاً في غاياتها ولا في آدابها، ولا في نتائجها وآثارها. فقد كانت حروبًا لتحرير الشعوب من تسلط المتألهين والطواغيت، الذين أرادوا أن يتخذوا عباد الله عبيدًا لهم.
    إنها صورة رائعة - ولا شك - للحرب الإسلامية وللجهاد الإسلامي، ولكنها ليست الصورة الوحيدة. فقد شهد التاريخ الإسلامي حروبًا ومعارك أخرى وقف فيها الإسلام وأهله موقف الدفاع عن الذات والحرمات والأرض والمقدسات. وقامت معارك للإسلام مع أعدائه لا تقل قدسية عن معارك الصحابة والتابعين. تلك المعارك التي لمعت فيها أسماء عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصلاح الدين، وقطز، والظاهر بيبرس، وغيرهم. إنها معارك حطين وبيت المقدس وعين جالوت وغيرها. معارك إنقاذ الأرض الإسلامية من أيدي التتار والصليبيين الغزاة.
    وإذا كان جهاد الصحابة والتابعين من أجل دعوة الإسلام، فإن جهاد نور الدين وصلاح الدين وقطز من أجل دار الإسلام. والجهاد كما يفرض لحماية العقيدة الإسلامية، يفرض لحماية الأرض الإسلامية. والعقيد الإسلامية كالأرض الإسلامية، كلتاهما يجب أن تحفظ وتصان من كل عدوان.
    وإنما نزلت الأرض هذه المنزلة وجعل الدفاع عنها عبادة وفريضة مقدسة ؛ لأنها "دار الإسلام" وحماه ووعاؤه. لا مجرد أنها أرض الآباء والأجداد. فالمسلم قد يهجر وطن آبائه وأجداده على حبه له وتعلقه به إذا لم يكن للإسلام فيه راية ترفع. ولا كلمة تسمع، كما فعل الرسول وأصحابه حين تركوا مكة مهاجرين في سبيل الله.إن إنشاء مراكز للدعوة إلى الإسلام الصحيح، وتبليغ رسالته إلى غير المسلمين في كافة القارات، في هذا العالم الذي تتصارع فيه الأديان والمذاهب، جهاد في سبيل الله.
    وإن إنشاء مراكز إسلامية واعية في داخل بلاد الإسلام نفسها، تحتضن الشباب المسلم، وتقوم على توجيهه الوجهة الإسلامية السليمة، وحمايته من الإلحاد في العقيدة، والانحراف في الفكر، والانحلال في السلوك، وتُعده لنصرة الإسلام، ومقاومة أعدائه، جهاد في سبيل الله.
    وإن إنشاء صحيفة إسلامية خالصة، تقف في وجه الصحف الهدَّامة والمضللة، لتعلي كلمة الله، وتصدع بقولة الحق، وترد عن الإسلام أكاذيب المفترين، وشبهات المضللين، وتعلم هذا الدين لأهله خاليًا من الزوائد، والشوائب، جهاد في سبيل الله.
    وإن نشر كتاب إسلامي أصيل، يحسن عرض الإسلام، أو جانب منه، ويكشف عن مكنون جواهره، ويبرز جمال تعاليمه، ونصاعة حقائقه، كما يفضح أباطيل خصومه، وتعميم مثل هذا الكتاب على نطاق واسع، جهاد في سبيل الله.
    وإن تفريغ رجال أقوياء أمناء مخلصين، للعمل في المجالات السابقة بهمة وغيرة وتخطيط، لخدمة هذا الدين، ومد نوره في الآفاق، ورد كيد أعدائه المتربصين به، وإيقاظ أبنائه النائمين عنه، ومقاومة موجات التبشير والإلحاد والإباحية، جهاد في سبيل الله .
    وإن معاونة الدعاة إلى الإسلام الحق، الذين تتآمر عليهم القوى المعادية للإسلام في الخارج، مستعينة بالطغاة والمرتدين من الداخل، فتكيل لهم الضربات، وتسلط عليهم ألوان العذاب، تقتيلاً وتعذيبًا وتشريدًا وتجويعًا - إن معاونة هؤلاء على المقاومة والثبات في وجه الكفر والطغيان، جهاد في سبيل الله.
    وإن الصرف على هذه المجالات المتعددة لهو أولى ما ينبغي أن يدفع فيه المسلم زكاته، وفوق زكاته، فليس للإسلام - بعد الله - إلا أبناء الإسلام، وخاصة في عصرة غُربة الإسلام !
    من كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوى ( بتصرف )
    ------------------------------------------------------------
    ابن السبيل
    من هو ابن السبيل؟
    "ابن السبيل" عند جمهور العلماء كناية عن المسافر الذي يجتاز من بلد إلى بلد، والسبيل: الطريق، وقيل للضارب فيه "ابن السبيل" للزومه إياه(تفسير الطبري - بتحقيق محمود شاكر: 14/31).
    وعن ابن زيد قال: ابن السبيل المسافر، غنيًا كان أو فقيرًا، إذا أصيبت نفقته أو فقدت. أو أصابها شيء. أو لم يكن معه شيء، فحقه واجب (المصدر السابق).
    عناية القرآن بابن السبيل
    وقد ذكر القرآن الكريم هذا اللفظ "ابن السبيل" في معرض العطف عليه والإحسان إليه ثماني مرات. ففي القرآن المكي يقول الله تعالى في سورة الإسراء: (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا) (الإسراء: 26).
    وفي سورة الروم: (فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، ذلك خير للذين يريدون وجه الله) (الروم: 38 ).
    وفي القرآن المدني يجعله الله تعالى من مصارف الإنفاق - فرضًا كان أو تطوعًا - قال تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون، قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقرب ين واليتامى والمساكين وابن السبيل) (البقرة: 215).
    ويأمر بالإحسان في الآية التي سميت آية الحقوق العشرة: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم) (النساء 36).
    ويجعل له حظًا في بيت مال المسلمين من خمس الغنائم: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) (الأنفال: 41).
    كما يجعل له حظَا من الفيء: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القرى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (الحشر: 7).
    ويجعل له سهمًا من الزكاة، وهي الآية التي معنا: (إنما الصدقات).إلى آخرها، وحظًا آخر - بعد الزكاة - في مال الأفراد، ويجعل ذلك من عناصر البر والتقوى: (وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة) (البقرة: 177).
    حكمة العناية بابن السبيل
    والسر في عناية القرآن بهذا النوع، أن دين الإسلام قد دعا إلى السياحة، ورغَّب في السفر والسير في الأرض لأسباب كثيرة:
    ( أ ) فهناك سياحة دعا إليها لابتغاء الرزق. قال تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) (الملك: 15). وقال: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله) (المزمل: 20).
    وقال -عليه الصلاة والسلام-: (سافروا تستغنوا) (ذكره المنذري في الترغيب والترهيب جـ 2 في كتاب الصوم، قال: رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات).
    ( ب ) وهناك سياحة دعا إليها الإسلام لطلب العلم، والنظر والاعتبارات بآيات الله في الكون، وسُنَّته في الخلق عامة، وفي الاجتماع البشري خاصة.
    قال تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) (العنكبوت: 20). وكأن في ذلك إشارة إلى البحوث الجيولوجية وتاريخ الحياة وما شابه ذلك.
    وقال تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (آل عمران:137)، (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (الحج: 46).
    وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من سلك طريقًا يلتمس فه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة) (قال المنذري في الترغيب والترهيب: رواه مسلم وغيره (كتاب العلم، الترغيب في الرحلة في طلب العلم)، (من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع) (رواه الترمذي وحسنه (المصدر نفسه).
    وقد ضرب علماء الإسلام الأولون مُثُلاً رفيعة برحلاتهم المنقطعة النظير في سبيل طلب العلم، مما جعل علماء عصرنا ومؤرخيه - من الغرب والشرق - يسجلونه لهم بكل إعجاب وإكبار.
    (جـ) وهناك سفر دعا إليه الإسلام للجهاد في سبيل الله، وما سبيل الله إلا الدفاع عن الحَوْزة، وتأمين الدعوة وإنقاذ المستضعفين، وتأديب الناكثين، قال تعالى: (انفروا خفافًا وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) (التوبة: 41). ثم تحدث عن المنافقين قال: (لو كان عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون) (التوبة: 42).
    وقال تعالى يعد المجاهدين بالمثوبة: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديًا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) (التوبة: 121).
    وقال -عليه السلام-: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) (البخاري في كتاب الجهاد).
    ( د ) وهناك سفر دعا إليه الإسلام لأداء عبادته العالمية المتميزة "الحج" إلى بيت الله الحرام، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) (آل عمران: 97)، (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) (الحج: 27 - 28).
    هذه أنواع من السفر والسياحة والضرب في الأرض، دعا إليها الإسلام، أو حثَّ عليها تحقيقًا لأهدافه في الأرض، وتثبيتًا لتعاليمه بين الناس، وهناك أنواع أخرى، ودين هذا شأنه لا بد أن يعطي عناية خاصة للمسافرين والسائحين، وخاصة من انقطع به الطريق منهم، وانقطع عن ذويه وماله ومسقط رأسه، وأن يأمر بمعونتهم بصفة عامة، وإعطائهم من مال الزكاة وهو مال الجماعة بصفة خاصة، وفي ذلك تشجيع للسياحة والسفر في سبيل الأغراض المشروعة. وإكرامهم لهؤلاء في غربتهم وانقطاعهم، وإثبات لحقيقة المجتمع المسلم المتماسك الذي يشد بعضه بعضًا، ويأخذ بعضه بيد بعض، دون اعتبار لاختلاف الديار، أو بعد المزار.
    لون من التكافل الاجتماعي لا نظير له في الأمم والأنظمة
    إن عناية الإسلام بالمسافرين الغرباء والمنقطعين لهي عناية فذَّة، لم يُعرف لها نظير في نظام من الأنظمة أو شريعة من الشرائع. وهي لون من ألوان التكافل الاجتماعي فريد في بابه. فلم يكتف النظام الإسلامي بسد الحاجات الدائمة للمواطنين في دولته، بل زاد على ذلك برعاية الحاجات الطارئة التي تعرض للناس لأسباب وظروف شتى كالسياحة والضرب في الأرض. وخاصة في عصور لم تكن في طرق المسافرين بها فنادق أو مطاعم أو محطات مُعَدة للاستراحة كما في عصرنا.
    وفي الواقع العملي نجد ابن سعد يروي لنا: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اتخذ في عهده دارًا خاصة أطلق عليها "دار الدقيق"، وذلك أنه جعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يُحتاج إليه، يعين به المنقطع به، والضيف ينزل بعمر. ووضع عمر في طريق السبل ما بين مكة والمدينة ما يصلح من ينقطع به، ويحمل من ماء إلى ماء (طبقات ابن سعد: 3/283 - طبع بيروت).
    وفي عهد خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز يحدثنا أبو عبيد أنه أمر الإمام ابن شهاب الزهري أن يكتب له السُنَّة في مواضع الصدقة. أي ما يحفظه من سُنَّة الرسول أو سُنَّة الراشدين في المواضع التي تُصرف فيها الصدقة، فكتب له كتابًا مطولاً، قسمها فيه سهمًا سهمًا. ومما جاء في الكتاب عن ابن السبيل قوله: "وسهم ابن السبيل يقسم لكل طرق على قدر من يسلكها ويمر بها من الناس، لكل رجل راحل من ابن السبيل، ليس له مأوى ولا أهل يأوي إليهم، فيطعم حتى يجد منزلاً أو يقضي حاجته. ويجعل في منازل معلومة على أيدي أمناء، لا يمر بهم ابن سبيل له حاجة إلا آووه وأطعموه، وعلفوا دابته، حتى ينفد ما بأيديهم، إن شاء الله" (الأموال ص 580).
    فهل رأت البشرية رعاية لذوي الحاجات مثل هذه الرعاية في نظام غير نظام الإسلام، أو في أمة غير أمة الإسلام؟‍‍!
    المنشئ للسفر والمنقطع في الطريق
    وهناك مسألة اختلف فيها الفقهاء: هل ينطبق وصف "ابن السبيل" على المسافر الذي انقطع به الطريق دون غايته فقط؟ أم يشمله ويشمل الذي يريد إنشاء السفر إلى بلد أيضًا؟
    قال الجمهور:
    إن المنشئ للسفر لا يدخل في وصف ابن السبيل وذلك:
    ( أ ) لأن السبيل هو الطريق وابن السبيل الملازم للطريق الكائن فيها؛ كما يقال "ابن الليل" للذي يكثر الخروج فيه، والقاطن بلده ليس في طريق، ولا يثبت له حكم الكائن فيها، ولهذا لا يثبت له حكم السفر بعزمه عليه دون فعله.
    ( ب ) ولأنه لا يُفهم من ابن السبيل إلا الغريب، دون من هو في وطنه ومنزله، وإن انتهت به الحاجة منتهاها.فوجب في رأي الجمهور أن يُحمل المذكور في الآية على الغريب دون غيره، وإنما يُعطى وله اليسار في بلده؛ لأنه عاجز عن الوصول إليه، والانتفاع به، فهو كالمعدوم في حقه، فإن كان ابن السبيل فقيرًا في بلده أعطي للأمرين: لفقره، ولأنه ابن سبيل. ويعطي لكونه ابن سبيل قدر ما يوصله إلى بلده؛ لأن الدفع إليه لهذه الحاجة فيقدر بقدرها (الشرح الكبير - مع المغني 2/702).
    وقال الشافعي في ابن السبيل:
    هو الغريب المنقطع، والمنشئ للسفر أيضًا، أي من يريد سفرًا ولا يجد نفقة، فيدفع إليهما ما يحتاجان إليه، لذهابهما وعودهما؛ لأن المنشئ للسفر يريده لغير معصية، فأشبه المجتاز المنقطع، لاحتياج كل منهما لأهبة السفر وإن كان إطلاق ابن السبيل على الثاني من باب المجاز (انظر المجموع: 6/214، ونهاية المحتاج: 6/156).
    والذي أراه:
    أن الرأي الأول أكثر انطباقًا على وصف "ابن السبيل" في الآية، وأقرب إلى هدف التشريع، فليس كل راغب في السفر، أو عازم عليه، يُعطى من مال الزكاة، وإن أراد بسفره منفعة خاصة به، من سعي على معاش أو ترويح عن النفس.
    أما رأي الشافعي -رضي الله عنه- فيؤخذ به - فيما أرى - فيمن يسافرون لمصلحة عامة يعود نفعها لدين الإسلام أو للجماعة المسلمة، كمن يسافر بعثة علمية أو عملية يحتاج إليها بلد مسلم، أو يسافر في أي مهمة تعود على الدين والمجتمع المسلم بنفع عام، وعلى أن يقر ذلك من يُعتبر رأيهم من أهل المعرفة والديانة.
    ومثل هذا إن لم يكن ابن سبيل بالفعل، فهل ابن السبيل باعتبار ما يكون باعتبار ما عزم عليه، وما قارب الشيء يأخذ حكمه. وفي إعطائه إعانة له على خير عام للملة وللأمة فأشبه الإعطاء في سبيل الله، وأشبه إعطاء الغارمين لإصلاح ذات البين، فلو لم يكن إعطاء بالنص لكان إعطاء بالقياس.
    ومما يقوي هذا الذي قلناه: أن ابن السبيل في الآية جاء معطوفًا على مصرف "في سبيل الله" فكأنه قال: في سبيل الله وفي ابن السبيل.
    وقد ذكرنا أن التعبير القرآني في هذه الآية عن بعض المصارف بكلمة "في" إنما يفيد: أنها مصلحة يدفع "فيها" قبل أن تكون شخصًا يدفع "له" حتى إذا قبض واحد من هؤلاء حصة من الزكاة، فإنما يقبضها بوصفه ممثلاً للمصلحة العامة التي قصد الشارع إلى إقامتها.
    ولهذا لا يشترط تمليك هؤلاء الأربعة: (في الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) على الصحيح. وابن السبيل - بناء على ما ذكرنا- يمثل مصلحة عامة، ولا يمثل نفسه، ولهذا يصح ألا يقبض هو القدر الذي يخصه من الزكاة ويعطي منها شركة الطيران أو الملاحة أو الجامعة التي سيذهب إلها، والمؤسسة التي ستنفق عليه ... إلخ.
    وقد قال الحنابلة - من أصحاب الرأي الأول - إن كان ابن السبيل مجتازًا يريد بلدًا غير بلده. يُدفع إليه ما يكفيه من مضيه إلى مقصده ورجوعه إلى بلده؛ لأن فيه إعانة على السفر المباح، وبلوغ الغرض الصحيح، لكن يشترط كون السفر مشروعًا؛ إما قربة إلى الله كالحج والجهاد وزيارة الوالدين، وإما مباحًا كطلب المعاش وطلب التجارات. وإن كان السفر للنزهة ففيه وجهان:
    أحدهما: يدفع إليه؛ لأنه غير معصية.
    والثاني: لا يدفع إليه؛ لأنه لا حاجة به إلى هذا السفر (انظر الشرح الكبير: 2/702 - 703)
    فإذا جاز إعطاء المسافر المجتاز حتى يبلغ مقصده إعانة له على بلوغ غرضه، وإن كان لمعيشته هو بل لنزهته، فأولى منه بالعطاء - طبقًا لهذا التعليل نفسه - من يسافر لغرض صحيح من أجل الإسلام والمسلمين.
    شروط إعطاء ابن السبيل من مال الزكاة
    لإعطاء ابن السبيل من مال الزكاة شروط، بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه:
    أولها: أن يكون محتاجًا في ذلك الموضع الذي هو به إلى ما يوصله إلى وطنه، فإن كان عنده ما يوصله، فلا يُعطى. لأن المقصود إنما هو إيصاله إلى بلده، بخلاف المجاهد، فإنه يأخذ منها - عند غير الحنفية - وإن كان غنيًا في الموضع المقيم فيه؛ لأن القصد من إعطائه إرهاب العدو، وبدفع الزكاة إلى المجاهد يقوى بأسه على عدو الله.
    الثاني: أن يكون سفره في غير معصية، أما من كان سفره في معصية كمن خرج لقتل نفس، أو لتجارة محرمة، أو نحو ذلك، فإنه لا يعطى من الزكاة شيئًا؛ لأن القصد من إعطائه إعانته، ولا يُعان بمال المسلمين على معصية الله، إلا أن يتوب توبة نصوحًا، فيعطى لبقية سفره. إلا أن يخاف عليه الموت، فإنه يعطى ولو لم يتب؛ لأنه وإن عصى هو لا نعصي نحن بتركه يموت (انظر: حاشية الدسوقي:1/498 وقال بعض المالكية: لا يعطى وإن خيف عليه الموت؛ لأن نجاته في يد نفسه بالتوبة. وانظر: حاشية الصاوي 1/233 وقال بعضهم: ينظر في تلك المعصية، فإن كان يريد قتل نفس أوهتك حرمة لم يعط إلا إن تاب وإن خيف عليه الموت (المصدرين المذكورين).
    والسفر الذي لا معصية فيه يشمل السفر للطاعة، والسفر للحاجة، والسفر للنزهة.
    فأما سفر الطاعة، كالحج والجهاد وطلب العلم النافع، والزيارة المندوبة ونحوها، فلا خلاف في إعطائه؛ لأن الإعانة على الطاعة مطلوبة شرعًا.
    وأما السفر لحاجة دنيوية، كالسفر للتجارة وطلب الرزق ونحو ذلك.
    فالمعروف عند القائلين بأن ابن السبيل: "هو الغريب المنقطع عن بلده وماله"
    - أنه يعطى بلا خلاف؛ لأن فيه إعانة له على حوائج دنياه المباحة، وبلوغ غرضه الصحيح.
    وأما عند الشافعية القائلين بأن: "ابن السبيل يشمل المنشئ للسفر من بلده"، ففيه قولان:
    أحدهما: لا يعطى؛ لأنه غير محتاج إلى هذا السفر.
    والثاني: يعطى؛ لأن الرخص التي ناطها الشرع بالسفر، لم تُفرِّق بين سفر الطاعة والسفر المباح، كقصر الصلاة، والفطر في رمضان. وهو الصحيح.
    وأما السفر للنزهة والفرجة، فقد اختلف فيه اختلافًا أكثر. وخاصة عند الشافعية والحنابلة.
    قال بعضهم: يعطى؛ لأنه سفر في غير معصية.
    وقال غيرهم: لا يعطى؛ لأنه سفر غير محتاج إليه، بل هو نوع من الفضول (انظر: المجموع للنووي: 6/214،215 والشرح الكبير المطبوع مع المغني: 2/701، 702).
    الثالث: ألا يجد من يقرضه ويسلفه في ذلك الموضع الذي هو فيه، وهذا فيمن له مال ببلده يقدر على سداد القرض منه (انظر في هذه الشروط: شرح الخريشي على خليل: 2/219 ونهاية المحتاج للرملي، 6/156).
    وهذا الشرط إنما اشترطه بعض المالكية والشافعية وخالفهم آخرون من علماء المذهبين:
    فقد رجح ابن العربي في "أحكام القرآن" والقرطبي في "تفسيره" أن ابن السبل: يعطى من الزكاة ولو وجد من يسلفه. قالا: وليس يلزم أن يدخل تحت منَّة أحد، فقد وجد منَّة الله ونعمته (أحكام القرآن - القسم الثاني - ص 958، وتسفير القرطبي: 8/187).
    وقال النووي: لو وجد ابن السبيل من يقرضه لغايته، لم يلزمه أن يقترض منه، بل يجوز صرف الزكاة إليه (المجموع: 6/216).
    وقال الحنيفة: الأولى أن يستقرض إن قدر، ولا يلزمه ذلك؛ لجواز عجزه عن الأداء (انظر: فتح القدير: 2/18، ورد المحتار: 2/64).
    وهذه علة أخرى تضاف إلى ما ذكره ابن العربي والقرطبي.
    فهما علتان تمنعان وجوب الاستقراض على ابن السبيل:
    الأولى: أن في الاستقراض قبولاً لمنّة الناس، ولم يكلفه الله ذلك.
    الثانية: جواز عجزه عن سداد الدين، وفي ذلك ضرر به وبالدائن.
    كم يعطى ابن السبيل؟
    ( أ ) يعطى ابن السبيل من النفقة والكسوة ما يكفيه مقصده، أو موضع ماله، إن كان له مال في طريقه. هذا إن لم يكن معه مال أصلاً. وإن كان معه مال لا يكفيه أعطي ما يتم به كفايته.
    ( ب ) ويُهيأ له ما يركبه إن كان سفرًا طويلاً. وقدَّروا السفر الطويل بما تقصر فيه الصلاة، وهو نحو 80 كم، أو كان ضعيفًا لا يقدر على المشي.
    وإن كان قويًا وسفره دون مسافة القصر، لم يُعط المركوب، ويعطى ما ينقل عليه زاده إلا أن يكون قدرًا يعتاد مثله أن يحمله بنفسه.
    قالوا: وصفة تهيئة المركوب: أنه إن اتسع المال اشترى له مركوب. وإن ضاق اكترى له. وإنما قالوا ذلك؛ لأن وسائل الركوب والنقل كانت هي الدواب. فلهذا قالوا: تُشتَرى أو تُكتَرى. أما الآن فقد تطورت وسائل النقل إلى السيارات والقطارات، والبواخر والطائرات، فلا سبيل إلى اشترائها بل يُكتَرى له ما يلائم حاله منها. فمن كان يلائمه ركوب القطار أو الباخرة، لا يُتجشم نقله بالطائرة، حتى لا يرهق مال الزكاة بما يمكن الاستغناء عنه.
    (جـ) ويعطى جميع مؤن سفره، لا ما زاد بسبب السفر فقط. وهذا هو الصحيح.
    ( د ) ويعطى سواء أكان قادرًا على الكسب أم لا.
    (هـ) ويعطى ما يكفيه في ذهابه ورجوعه إن كان يريد الرجوع، وليس له في مقصده المال.
    وقال بعض العلماء: لا يعطى للرجوع أثناء سفره وإنما يعطى عند رجوعه.
    وبعضهم قال: إن كان عزمه أن يصل الرجوع بالذهاب أعطي للرجوع، وإن كان عزمه إقامة مدة لم يعط للرجوع. والصحيح الأول.
    ( و ) وأما نفقة الإقامة بالمقصد فقد فصل في ذلك الشافعية فقالوا: إن كانت إقامته دون أربعة أيام - غير يومي الدخول والخروج - أعطي لها؛ لأنه في حكم المسافر، وله الفطر والقصر وسائر رخص السفر. وإن كانت أربعة أيام فأكثر - غير يومي الدخول والخروج - لم يعط لها؛ لأنه خرج عن كونه مسافرًا ابن سبيل، وانقطعت رخص السفر، بخلاف الغازي، فإنه يعطى مدة الإقامة في الثغر وإن طالت. والفرق أن الغازي يحتاج إليه لتوقع الفتح، ولأنه لا يزول بالإقامة اسم "الغازي" بل يتأكد، بخلاف المسافر.
    وقال بعضهم: يعطى ابن السبيل، وإن طال مقامه إذا كان مقيمًا لحاجة يتوقع تنجزها (انظر المجموع: 6/215،216 والشرح الكبير ص 701،702).
    ( ز ) وإذا رجع ابن السبيل وقد فضل معه شيء هل يسترد منه أم لا؟
    قال الشافعية: نعم، سواء قتر على نفسه أم لا، وقيل: إن قتر على نفسه، بحيث بقي معه هذا الفضل من تقتيره لم يرجع بما فضل. وهذا بخلاف الغازي؛ حيث لا يسترجع منه إذا قتر على نفسه؛ لأن ما يأخذه الغازي يأخذه عوضًا، لحاجتنا إليه وقيامه بالغزو وقد فعل، وابن السبيل يأخذ لحاجته إلينا وقد زالت (المجموع: 6/216).
    وقال الحنفية: لا يلزم ابن السبيل التصدق بما فضل في يده عند قدرته على ماله، كالفقير إذا استغنى وعنده شيء من مال الزكاة فلا يلزمه التصدق (انظر: فتح القدير:2/18، ورد المحتار: 2/64).
    هل يوجد ابن السبيل في عصرنا؟
    ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن صنف "ابن السبيل" لم يعد له وجود في عصرنا، نظرًا لوجود الوسائل الكثيرة الميسرة لحصول الإنسان على ماله بالقدر الذي يريد من أي مكان في الدنيا، عن طريق الحوالة على البنوك ونحوها (انظر: تفسير المراغي جـ 28، وقد ذكر هذا الرأي في تفسير الآية السادسة من سورة الحشر).
    هذا ما ذكره المرحوم أحمد مصطفى المراغي في تفسيره. ولكننا نخالفه ونرى أن ابن السبيل يوجد - رغم ما ذكره من سهولة الحصول على المال من أي بلد - في صور شتى:
    1- صور واقعة لابن السبيل:
    فمن الناس من يُعَدُّ غنيًا، وليس له رصيد في البنوك، فكيف يحصل مثله على ماله إذا كان بعيدًا عنه؟! ومثله من ينقطع - لظروف وأسباب مختلفة - في قرية نائية، أو صحراء شاسعة. ولا يستطيع الوصول إلى المدينة، حتى يأخذ من البنك ما يريد، فماذا يكون موقفه؟
    إن مثل هذا هو ابن سبيل؛ لأنه غني انقطع عن ماله، فاستحق العون وهي صورة وإن كانت نادرة فهي تقع.
    2- المشردون واللاجئون:
    ومن الناس من يجبر على مغادرة وطنه، ومفارقة ماله وأملاكه من قِبَل الغزاة المحتلين، أو الطغاة المستبدين، من الحكام الكفرة وأشباه الكفرة، الذين يضطهدون أهل الخير والصلاح، ويخرجونهم من ديارهم وأموالهم بغير حق، إلا أن يقولوا: ربنا الله. تجد الرجل من هؤلاء يفر بدينه وحريته من بلده إلى بلد آخر، ويبقى محرومًا من ماله في موطنه، وإن بقي هناك باسمه في البنك أو تحت الحراسة، أو ما شابه ذلك. كما هو شأن كثير من المضطهدين واللاجئين السياسيين.
    فماذا يُعَد هؤلاء فيالاصطلاح الفقهي؟
    إن لهم مالاً وملكًا في أوطانهم، ولكن لا سلطان لهم- في حاضرهم - عليه، ولا سبيل لهم إليه، فهم أغنياء ملكًا فقراء يدًا. وكل من كان هذا شأنه فهو ابن سبيل.
    3- من له مال لا يقدر عليه ولو في بلده:
    بل ألحق بعض الفقهاء من الحنفية بابن السبيل، كل من هو غائب عن ماله، غير قادر عليه، وإن كان في بلده، مستدلاً بأن الحاجة هي المعتبرة، وقد وجِدت؛ لأنه فقير يدًا، وإن كان غنيًا ظاهرًا (انظر: رد المحتار: 2/64، والبحر الرائق: 2/260).
    قالوا: وإن كان تاجرًا له دين على الناس لا يقدر على أخذه، ولا يجد شيئًا، يحل له أخذ الزكاة؛ لأنه فقير يدًا كابن السبيل (البحر الرائق:2/260).
    4- المسافرون لمصلحة:
    وإذا أخذنا بمذهب الشافعي الذي يُدخل في ابن السبيل: من يريد سفرًا ولا يجد نفقة، واعتبرنا ما رجحناه من اشتراط أن يكون هذا السفر في مصلحة معتبرة للإسلام أو للجماعة المسلمة - أمكننا أن نجد في عصرنا صورًا كثيرة لهذا الصنف في الطلاب النابهين والصنَّاع الحاذقين، والفنيين المتقنين، وغيرهم ممن يحتاجون إلى بعثات للخارج، للتخصص في علم نافع، أو للتدريب على عمل منتج، يعود أثره بالخير على الدين والأمة.
    5- المحرومون من المأوى:
    كما أن بعض العلماء من الحنابلة أعطى تفسيرًا آخر لابن السبيل يدخل فيه كثيرون حتى في عصرنا هذا، فقد ذكر: أن أبناء السبيل هم السؤّال (انظر: الإنصاف: 3/237). يعني المتسولين الذين يتكففون الناس، ويسألونهم.
    ومما يندى له الجبين أننا لا نزال نرى في كثير من البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام، أناسًا حُرِموا نعمة المأوى والمسكن، واتخذوا من جوانب الشوارع، وأرصفة الطرقات مأوى لهم، يفترشون ترابها، ويتغطون بهوائها، فهؤلاء "أبناء سبيل" لأن الطريق لكل منهم أمه وأبوه!!
    إن هؤلاء وصمة في جبين المجتمع الذي يعيشون فيه، فلا عجب أن يعني بهم القرآن، ويذكرهم بوصف خاص، غير وصف الفقراء والمساكين، ويفرض لهم سهمًا في الضريبة الإسلامية الأولى: الزكاة.
    ولا غرابة أن يعطى هؤلاء من مال الزكاة بوصفهم أبناء سبيل، وبوصفهم فقراء أيضًا. فيُعطَون بالوصف الأول ما يُخرجهم عن بنوة الطريق بأن يُهيأ لهم المسكن اللائق بحالهم، ويعطون بالوصف الثاني ما يضمن لهم تمام كفايتهم ويكفل لهم معيشة حسنة، يتحقق لهم فيها إشباع حاجاتهم البشرية من غير إسراف ولا تقتير.
    6- اللقطاء:
    وذكر السيد رشيد رضا في تفسيره: أن اللقيط يوشك أن يدخل في معنى ابن السبيل، كما ذكر أن بعض أذكياء المعاصرين اختار في رسالة له: أن هذا هو المعنى المراد.
    وقوَّى الشيخ رشيد هذا الاختيار - وإن لم يجزم به - بأن اللفظ يتسع للقيط ما يتسع لغيره. وبأن القرآن عنى بأمر اليتيم، والإحسان به لحكمة بالغة، وهي: أن اليتيم يُهمَل أمره بفقد الناصر القوي الغيور، وهو الأب. أو تكون تربيته ناقصة، بالجهل الذي هو جناية على العقل، أو فساد الأخلاق الذي هو جناية على النفس، وهو بجهله وفساد أخلاقه، يكون شرًا على أولاد الناس، يعاشرهم فيسري إليهم فساده. فإذا كان هذا شأن اليتيم فاللقيط أولى وأجدر منه بالإحسان بما ذكرنا من الحكمة والفقه.قال: "وإنما غفل جميع المفسرين عن ذكره، لندرة اللقطاء في زمن المتقدمين منهم، ولا حظ للمتأخرين منهم من التأليف إلا النقل عنهم" (تفسير المنار: 5/94 - طبعة ثانية).
    على أن اللقيط إن لم يدخل في معنى "ابن السبيل" فهو داخل في عموم "الفقراء والمساكين" قطعًا، فإن الفقير هو المحتاج، صغيرًا كان أو كبيرًا. فحقه في الزكاة ثابت بيقين.من كتاب فقه الزكاة للشيخ يوسف القرضاوى ( بتصرف )
    ------------------------------------------------------------

  2. # ADS
    Circuit advertisement مصارف الزكاة
    Join Date
    Always
    Location
    Advertising world
    Posts
    Many
    Loading...
     

Thread Information

Users Browsing this Thread

There are currently 1 users browsing this thread. (0 members and 1 guests)

Visitors found this page by searching for:

Nobody landed on this page from a search engine, yet!
SEO Blog

Posting Permissions

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •  

Log in

Log in